الشيخ محمد رشيد رضا

236

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لأحد اجلاف الاعراب يطير فرحا به ويجعله قاعدة ، ثم يشكل عليه اعراب آية من القرآن فلا يتخذها قاعدة ، بل يتكلف في ارجاعها إلى كلام أولئك الاجلاف وتصحيحها به كأن كلامهم هو الأصل الثابت ويعجبني أيضا ما قاله أبو البقاء وهو ان للقرآن ايجازا واختصارا في بعض المواضع المفهومة من المقام ، وهو ان المعنى هنا أو كونوا أشد ذكرا ، ومثل هذا شائع في اللغة وقال الأستاذ هنا كلمته التي يكررها في مثل هذا المقام وهي انه كان يجب ان يكون القرآن مبدأ إصلاح في اللغة العربية ، وقد ذكرناها من قبل ثم بين تعالى ان الذين يذكرونه فيدعونه على قسمين فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ الخلاق النصيب والحظ ذكر تعالى ان هذا الفريق يطلب حظ الدنيا مطلقا ولم يقل انه يطلب حسنة فيها ، لأن من كانت الدنيا كل همه لا يبالي أكانت شهواته وحظوظه حسنة أم سيئة ، فهو يطلب الدنيا من كل باب ، ويسلك إليها كل طريق ، لا يميز بين نافع لغيره ولا ضار ، فباستيلاء حب الدنيا عليه لم يكن للآخرة وما أعده اللّه فيها للمتقين من الرضوان موضع من نفسه يرجوه ويدعو اللّه فيه ، كما أنه لا يخاف ما توعد اللّه به المجرمين فيها فيلجأ اليه تعالى بأن يقيه شره . فحرمان هذا الفريق من خلاق الآخرة هو اثر كسبه وسوء اختياره ، وتفضيله حظوظ الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الباقية ، لأنه يعمل للأولى كل ما يستطيع من أسباب الحلال والحرام ، حتى أنه لا يسأل ربه إلا المزيد من حظوظها وشهواتها ، وقد ينالها كثير من الناس بدون هم كبير في العمل لها ، ولا يعمل للآخرة وقد اشترط لسعادتها خير العمل ، فقال تعالى ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) الآيات . وباللّه ما أبلغ حذف مفعول « آتنا » في هذا المقام فهو من دقائق الايجاز التي تحار فيها الافهام ، وتعجز عنها قرائح لانام ، فإنه بدلالته على العموم يشمل كل ما يعنى به أفراد هؤلاء الناس المتفاوتي الهمم المختلفي الأهواء ، من