الشيخ محمد رشيد رضا

227

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولذلك لم يؤثر عن الصحابة فيها إلا ما قيل في الثالث منها هل تكون أيامه كلها أيام حج أم تنتهي أركان الحج في العاشر منه ؟ الآية ظاهرة في أن الحج لا يكون إلا في هذه الأشهر ، ولعل هذا هو سر جعلها خبرا عنه ، ولما كان أعظم أركانه وهو الوقوف بعرفة يكون في التاسع من الثالث علم أن الحج لا يتكرر فيها فمن أحرم بالحج بعد هذا اليوم فلا حج له . قال تعالى فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أي أوجبه وألزمه نفسه يا لشروع فيه وقد مربيان كيفيته فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ تقدم تفسير الرفث في آيات الصيام وانه كناية عن الجماع . والفسوق الخروج عن حدود الشرع بأي فعل محظور وقيل إن المراد به الذيح للأصنام خاصة ، وخصه بعضهم بالسباب ، والتنابز بالألقاب . والجدال قيل هو بمعنى الجلاد من الجدل بمعنى القتل . وقيل هو المراء بالقول ، وهو يكثر عادة بين الرفقة والخدم في السفر لان مشقته تضيق الاخلاق . هذا هو المشهور وأقول انه يجوز حملها على جميع معانيها الحقيقية وغيرها على قول الشافعي وابن جرير المختار عندنا ويكون النفي المراد به النهي في بعضها للتحريم كالرفث بمعنى الجماع لا يفسد النسك ، وفي بعضها الآخر للكراهة الشديدة كالرفث بمعنى الكلام الصريح في أمور الوقاع كما تقدم بيانه في تفسير آيات الصيام الخ وقال الأستاذ الامام : ان تفسير الكلمات الثلاث ينبغي أن يكون متناسبا وبحسب حال القوم في زمن التشريع ، فأما الرفث فهو كما قيل الجماع ، وأما الفسوق فهو الخروج عما يجب على المحرم إلى الأشياء التي كانت مباحة في الحل كالصيد والطيب والزينة باللباس المخيط ، والجدال هو ما كان يجري بين القبائل من التنازع والتفاخر في الموسم ، فبهذا يكون التناسب بين الكلمات وإلا حملت كلها على مدلولها اللغوي فجعل الرفث قول الفحش ، والفسوق التنابز بالألقاب على حد ( وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ ) والجدال المراء والخصام ، فتكون هذه المناهي كلها آدابا لسانية والنكتة في منع هذه الأشياء [ على أنها آداب لسانية ] تعظيم شأن الحرم وتغليظ