الشيخ محمد رشيد رضا

210

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وما تقرر في هذه الآيات على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في سورة الحج ( 22 : 39 أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ 40 الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) الآيات . وهي أول ما نزل من القرآن في شرع القتال معللا بسببه مقيدا بشروطه العادلة « 1 » وفسر بعضهم الفتنة هنا وفي الآية الآتية بالشرك وجرى عليه الجلال ، ورده الأستاذ الامام يأنه يخرج الآيات عن سياقها ، وذكره البيضاوي هنا بصيغة التضعيف [ قيل ] ورد قولهم أيضا ان هذه الآية ناسخة لما قبلها ، وذلك أنه كبر على هؤلاء أن يكون الاذن بالقتال مشروطا باعتداء المشركين ، ولأجل أمن المؤمنين في الدين وأرادوا أن يجعلوه مطلوبا لذاته . وقال إن هذه الآيات نزلت مرة واحدة في نسق واحد وقصة واحدة فلا معنى لكون بعضها ناسخا للآخر ، وأما ما يؤخذ من العمومات فيها بحكم أن القرآن شرع ثابت عام فذلك شيء آخر « 2 » ثم استثنى من الامر بقتل هؤلاء المحاربين في كل مكان أدركوا فيه المسجد الحرام فقال وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ أي ان من دخل منهم المسجد الحرام يكون آمنا إلا أن يقاتل هو فيه وينتهك حرمته فلا أمان له حينئذ . ولما كان القتل في المسجد الحرام امرا عظيما يتحرج منه أكد الاذن فيه بشرطه ولم يكتف بما فهم من الغاية فقال فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ولا تستسلموا لهم ، فالباديء هو الظالم ، والمدافع غير آثم كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ

--> ( 1 ) يراجع بيان هذه الشروط المأخوذة من هذه الآيات في القاعدة الثانية من قواعد الحرب الاسلامية من المقصد الثامن من مقاصد القرآن في بحث الوحي من تفسير سورة يونس ( ج 11 تفسير ) وفي القاعدة العاشرة من الباب السابع من خلاصة سورة الأنفال ( ص 141 ج 10 تفسير ) ( 2 ) راجع تفصيل هذا البحث في تفسير ( 8 : 39 وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) في تفسير سورة الأنفال ( ص 556 ج 9 تفسير )