الشيخ محمد رشيد رضا

178

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كان له أجر » والحديث في صحيح مسلم وقيل إن العبارة تتضمن النهي عن المباشرة المحرمة فإنها لا يقصد بها الولد سواء كانت بالزنا أو غيره ، وليس ببعيد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ أي ويباح لكم الاكل والشرب كالمباشرة عامة الليل حتى يتبين لكم بياض الفجر فمتى تبين وجب الصيام . وما أحسن التعبير عن أول طلوع الفجر بالخيطين ، والخيط الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر الصادق ، فمتى أسفر لا يظهر وجه لتسميته خيطا ، فما ذهب اليه بعض السلف كالأعمش من أن ابتداء الصوم من وقت الاسفار تنافيه عبارة القرآن هذا ما كتبته أولا وهو غير دقيق وسأفصل المسألة في الاستدرك والايضاح الذي تراه بعد تمام تفسير الآية . والاقتصار على الاكل والشرب في بيان آخر الليل دون المباشرة وحكمها حكمهما يشعر بكراهتها في آخر وقت الإباحة الذي تتلوه صلاة الفجر المندوب التغليس بها . ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فهم من غاية وقت الاكل والشرب في الجملة السابقة مبدأ الصيام ، وذكر في هذه غايته وهي ابتداء الليل بغروب قرص الشمس وما يلزمه من ذهاب شعاعها عن جدران البيوت والمآذن ، ولا يلزم أهل الاغوار والقيعان ذهاب شعاعها عن شناخيب الجبال العالية بعيدة كانت أو قريبة ، وإنما العبرة بمغيب الشمس في أفقهم الذي يتلوه إقبال الليل . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إذا أدبر النهار وأقبل الليل وغابت الشمس فقد أفطر الصائم » متفق عليه . وزاد فيه البخاري « من ههنا » عند ذكر الليل والنهار والإشارة إلى المغرب والمشرق - وللمباني العصرية الشامخة في بلاد أمريكا حكمها في ذلك . وأنت ترى ان هذا التحديد جاء بأسلوب الاطناب لأنه بيان للاجمال بعد وقوع الخطأ فيه ، وإنما أخر البيان إلى وقت الحاجة اليه ليكون أوقع في النفس ، وأظهر في رحمة الشارع الحكيم وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ هذا استثناء من عموم إباحة المباشرة . والمقام مقام بيان وإيضاح لا يبقى معه للابهام ولا للايهام مجال ، أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم في المساجد للعبادة ، فالمباشرة تبطل الاعتكاف ولو ليلا كما تبطل الصيام نهارا تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ الإشارة إلى الاحكام التي تقدمت كلها ، وسميت حدودا