الشيخ محمد رشيد رضا

176

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيه . وعدي بإلى لتضمنه معنى الافضاء . وقد علمنا القرآن النزاهة في التعبير عن هذا الامر عند الحاجة إلى الكلام فيه بما ذكر من الكنايات اللطيفة ، كقوله ( لامَسْتُمُ النِّساءَ * أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ * فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ ) وقال بعض المفسرين قد ذكر هنا اللفظ الصريح والسبب في ذلك استهجان ما وقع منهم . وهذا غلط فان الكلمة بمعنى ما لا يحسن التصريح به من شأن الرجل مع المرأة وليست هي من الالفاظ الصريحة في ذلك ، فالمعنى أحل لكم ذلك الامر الذي لا ينبغي التصريح به . وان قال الأستاذ الامام : والصواب انه جيء باللفظ على خلاف ما جرت عليه سنة الكتاب للإشارة إلى استهجانه في شهر الصوم وان حل فهو من الحلال المكروه على الجملة . وقوله هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ قول مستأنف سيق لبيان سبب الحكم أي إذا كان بينكم وبينهن هذه الملابسة والمخالطة فان اجتنابهن عسر عليكم فلهذا رخص لكم في مباشرتهن ليلة الصيام قاله صاحب الكشاف واختاره الأستاذ الامام ، فهو يرى أن لفظ لباس هنا مصدر لابسه بمعنى خالطه وعرف دخائله ، لا بمعنى ما ورد من اطلاق اللباس والإزار على المرأة . وقال ابن عباس معناه هن سكن لكم وأنتم سكن لهن . وذهب كثير من المفسرين إلى أنه كناية عن المعانقة ، واستشهدوا له بقول الذبياني . إذا ما الضجيع ثنى عطفها * تثنت عليه فكانت لباسا وقال بعضهم انه كناية عن الستر المقصود من اللباس لان كلا من الزوجين ستر للآخر واحصان له ، وهو بمعنى الغشيان والتغشي من ألفاظ الكناية عن وظيفة الزوجية ، ثم قال عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ أي تنتقصونها بعض ما أحل اللّه لها من اللذات توهما ان من قبلكم كان كذلك ، فيكون بمعنى التخون أي النقص من الشيء أو معناه تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به ، فهو مبالغة من الخيانة ، التي هي مخالفة مقتضى الأمانة ، ولم يقل تختانون اللّه كما قال ( 8 : 27 لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ ) للاشعار بأن اللّه تعالى لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار ، وانما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادها فكانوا كمن يتغشى امرأته ظانا أنها أجنبية ،