الشيخ محمد رشيد رضا
166
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 186 ) وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * * * روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما في سبب نزول هذه الآية أن اعرابيا جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فسكت عنه فأنزل اللّه الآية . وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : سأل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أين ربنا ؟ فنزلت . ورووا في سببه غير ذلك مما هو أضعف سندا ، وأقل ناصرا وعددا ، وقال الأستاذ الامام : عند ذكر السبب الأول هذا السؤال ليس ببعيد من العرب أو الاعراب الذين اعتادوا أن يتخذوا وسائل بينهم وبين إلههم يقربونهم إلى اللّه خالق السماوات والأرض ، وهؤلاء الوسائل والوسائط إما أشخاص وإما أمثلة أشخاص كالتماثيل والأصنام ، ولم يهتدوا بأنفسهم إلى التجرد لمعرفة ذلك الاله الواحد العظيم بأنه لا يتقيد بشيء حتى هداهم اليه القرآن بايآته البينات ، فكانوا أهل التوحيد الخالص . ولكن الآية جاءت بين آيات الصيام فهي ليست بأجنبية منها وانما هي متصلة بما قبلها من الاحكام ، فقد طالبنا في الآية السابقة باكمال عدة الصيام وبتكبير اللّه تعالى ، وذكر أن ذلك يعدنا لشكره تعالى ، والتكبير والشكر يكونان بالقول نحو : الحمد للّه واللّه أكبر - كما يكونان بالعمل ، وما كان بالقول يأتي فيه السؤال : هل يكون برفع الصوت والمناداة ، أم بالمخافتة والمناجاة ؟ فجاءت هذه الآية جوابا عن هذا السؤال الذي يتوقع إن لم يقع ، فهي في محلها سواء صح ما رووه في سببها أم لا ( قال ) ويروى في نزولها سبب آخر وهو ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سمع المسلمين يدعون اللّه تعالى بصوت رفيع في غزوة خيبر فقال لهم « أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا » وعلى كل حال تفيدنا الآية حكما شرعيا وهو انه لا ينبغي رفع الصوت في عبادة من العبادات إلا بالمقدار الذي حدده الشرع في الصلاة الجهرية وهو أن يسمع من بالقرب منه ، ومن بالغ في رفع صوته ربما بطلت صلاته ،