الشيخ محمد رشيد رضا
165
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أكملها قضاء بعده . وقيل إنها لتقوية الفعل كما في قوله ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ ) اي يريد اللّه بكم اليسر وان تكملوا العدة ، وهو يجري في كلام البلغاء كثيرا ورجحه الأستاذ الامام وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ اليه من الاحكام النافعة لكم بأن تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في اصلاح عباده وانه يربيهم بما يشاء من الاحكام ، ويؤد بهم بما يختار من التكاليف ، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص اللائقة بحالهم وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * له هذه النعم كلها ، بالقيام بها على وجهها ، واعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها ، فتكونوا من الكاملين ذهب جمهور المفسرين إلى أن في الكلام ثلاثة تعليلات مرتبة بأسلوب النشر على اللف بتقدير فعل محذوف عامل في جملة الاحكام الماضية ، أي شرع لكم ما ذكر من صيام أيام معدودات هي شهر رمضان لمن شهده سالما صحيحا لتكملوا العدة - والتعبير بالعدة دون عدة الشهر يشعر بما قاله الأستاذ الامام من أن الأصل في التكليف العام للصوم هو الأيام المعدودات وكونها رمضان بعينه خاص بمن شهده ممن لم تتناوله الرخصة وهذا من دقة القرآن الغريبة وبلاغته التي لا يخطر مثلها على قلب بشر ، وشرع لكم القضاء على من أفطر في مرض يرجى برؤه أو سفر - لتكبروه وتعظموا شأنه على ما هداكم اليه من الجمع بين الرخصة بالفطر والعزيمة بالقضاء - وشرع لكم الفدية في حال المشقة المستمرة بالصوم وأراد بكم اليسر دون العسر لعلكم تشكرون هذه النعمة وقد صورنا ترتيب التعليل الذي ذكروه ، بما نراه أوضح مما صوروه به . هذا ما كتبته أولا وطبع في المرة الأولى . وأقول الآن ان الأظهر أن يقال إن إكمال العدة تعليل لكون الصيام المشروع أياما معدودات لا بد من استيفائها أداء في حال العزيمة وقضاء في حال الرخصة ، وإرادة اليسر دون العسر تعليل للرخص الثلاث للسفر والمرض والمشقة التي تقتضي الفدية ، والتكبير تعليل لا كمال العدة بصيام الشهر كله ، ومظهره الأكبر في عيد الفطر إذ شرع فيه التكبير القولي عامة ليله وإلى ما بعد صلاته ، وبذلك كله نكون من شاكرين له على هذه النعم كلها وعلى غيرها .