الشيخ محمد رشيد رضا
164
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الرخصة في القرآن يتحامون الفطر في السفر أولا حتى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمرهم به في بعض الاسفار فلم يمتثلوا حتى أفطر هو بالفعل وسمى الممتنع عن الفطر عاصيا كما تقدم . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ هذا تعليل لما قبله أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام ، وسائر ما يشرعه لكم من الاحكام ، أن يكون دينكم يسرا تاما لا عسر فيه . قال الأستاذ : إن في هذا التعبير ضربا من التحريض والترغيب في إتيان الرحصة ، ولا غرو فاللّه يحب ان يؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه . وقد اختلف العلماء في الأفضل للمريض والمسافر على أقوال ثالثها التخيير ( أقول ) والآية تشعر بأن الأفضل ان يصوم إذا لم يلحقه مشقة أو عسر لانتفاء علة الرخصة وإلا كان الأفضل ان يفطر لوجود علتها ، ويتأكد بوجود مصلحة أخرى في الفطر كالقوة على الجهاد وتقدم بسطه ، ذلك بأن اللّه لا يريد إعنات الناس بأحكامه وإنما يريد اليسر بهم وخيرهم ومنفعتهم ، وهذا أصل في الدين يرجع اليه غيره ومنه اخذوا قاعدة « المشقة تجلب التيسير » وورد في هذا أحاديث كثيرة من أشهرها « يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا » متفق عليه من حديث أنس . والمراد بالإرادة هنا حكمة التشريع لا إرادة التكوين . زرت بيت المقدس في عهد طلبي للعلم بطرابلس في المحرم سنة 1311 فاجتمعت في مدينة الخليل عليه السّلام بمفتيها الرجل الصالح من آل التميمي فسألني ممتحنا : يقول اللّه تعالى ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) وما يريده اللّه تعالى لا يجوز تخلفه عقلا ولكننا نرى العسر واقعا مشاهدا فكيف هذا ؟ قلت إن الآية في تعليل الرخصة في الصيام للمريض والمسافر لا في التكوين والتقدير كالعسر في المال والرزق ، فأعجبه الجواب ودعا لي بالفتح ، ولم أكن حضرت شيئا من تفسير القرآن في ذلك العهد ثم قال وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قرأ الجمهور لتكملوا بالتخفيف من الاكمال وأبو بكر عن عاصم بالتشديد من التكميل ، واللام للتعليل وهي معطوفة على التعليل المستفاد من قوله ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) كأنه قال : رخص لكم في حالي المرض والسفر لأنه يريد بكم اليسر وان تكملوا العدة فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر