الشيخ محمد رشيد رضا
162
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والروايات شيء « 1 » وإنما هي حواش أضافوها لتعظيم رمضان ، ولا حاجة لنا بها إذ يكفينا أن اللّه تعالى أنزل فيه هدايتنا وجعله من شعائر ديننا ومواسم عبادتنا ، ولم يقل تعالى انه انزل القرآن جملة واحدة في رمضان ، ولا انه أنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، بل قال بعد إنزاله ( هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) فهو محفوظ في لوح بعد نزوله قطعا - وأما اللوح المحفوظ الذي ذكروا انه فوق السماوات السبع وان مساحته كذا ، وانه كتب فيه كل ما علم اللّه تعالى فلا ذكر له في القرآن . وهو من عالم الغيب فالايمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولا نقص ولا تفصيل ، وليس عندنا في هذا المقام نص يجب الايمان به « 2 » فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أي فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن لم يكن مسافرا فليصمه وانما يكون ذلك في أكثر البلاد التي تتألف السنة منها من اثني عشر شهرا . وشهوده فيها يكون برؤية هلاله ، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره له أن يصوم . وإذا لم يره أحد في الليلة الثلاثين من شعبان وجب صيام يومها وكان أول رمضان ما بعده . والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن ، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم . وقال بعض المفسرين : ان المراد بالشهر هنا الهلال ، وكانت العرب تعبر عن الهلال بالشهر ، ويرده أنهم لا يقولون : شهد الهلال ، وإنما يقولون رآه ، ومعنى شهد حضر ، وقال بعضهم ان المعنى : فمن كان حاضرا منكم حلول الشهر فليصمه . قال الأستاذ الامام : وإنما عبر بهذه العبارة ولم يقل « فصوموه » لمثل الحكمة التي لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة لأجلها ، وذلك ان القرآن خطاب اللّه العام لجميع البشر وهو يعلم أن من المواقع ما لا شهور فيها ولا أيام معتدلة بل السنة كلها قد تكون فيها يوما وليلة تقريبا كالجهات القطبية ، فالمدة التي يكون فيها القطب الشمالي في ليل وهي نصف السنة يكون القطب الجنوبي في نهار وبالعكس ، ويقصر الليل والنهار ويطولان على نسبة القرب والبعد عن القطبين ويستويان في خط الاستواء وهو وسط الأرض
--> ( 1 ) فيها حديث واثلة مرفوعا عند احمد وابن جرير وغيرهما وهو غير صحيح ( 2 ) راجع تفصيل هذا البحث في تفسير ( 6 : 59 كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) ص 469 ج 7 تفسير