الشيخ محمد رشيد رضا

158

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكذلك من يتكرر سبب مشقته كالحامل والمرضع وهؤلاء لهم أن يفطروا ويطعموا بدلا عن كل يوم مسكينا ما يشبع الرجل المعتدل كما تقدم آنفا ثم قال تعالى بعد بيان الواجب الحتم والرخص فيه فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بأن زاد على تلك الأيام المعدودات فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ * لان فائدته وثوابه له والفاء في قوله فمن تطوع تدل على هذا لأنها تفريع على حصر الفرضية في الأيام المعدودات ولا يصلح تفريعا على حكم الفدية لان من سقط عنه الفرض دائما مع الفدية عنه لا يعقل ان يندب للتطوع الذي هو الزيادة على الفرض . وجعل ( الجلال ) التطوع متعلقا بالكفارة بأن يزيد على إطعام المسكين واستبعده شيخنا وأقرب منه شموله لهما وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي والصيام خير لكم كما قرأها أبي بن كعب ( رض ) وإنما هي تفسير . اي خير عظيم لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتربية الإرادة وتغذية الايمان بالتقوى وتقويته بمراقبة اللّه تعالى . قال أبو أمامة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرني بأمر آخذه عنك قال « عليك بالصوم فإنه لا مثل له » رواه النسائي بسند صحيح إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وجه الخيرية فيه لا إن كنتم تصومون تقليدا من غير فقه ، ولا علم بسر الحكم وحكمة التشريع ، وكونه لمصلحة المكلفين ، لان اللّه غني عن العالمين ، أو اتباعا لعادات الخلطاء والمعاشرين . هذا ما يظهر من الآية ، وقد ذكر بعض المفسرون أن الخطاب فيها لأهل الرخص وأن الصيام في رمضان خير لهم من الترخص بالافطار ، وهذا غير مطرد ولا متفق عليه ، وتنافيه أحاديث وردت ويبعده التفريع بالفاء كما قدمنا ، وبينا ما هو الأفضل منه ومن الفطر * * * شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هذه الآية مستأنفة لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتبت علينا وانها أيام شهر رمضان ، وأن الحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، وأفيضت على البشر فيه هداية الرحمن ، ببعثة محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسّلام ، بالرسالة العامة للاتام ، الدائمة إلى آخر الزمان ، فالمراد بانزال القرآن فيه بدؤه وأوله هُدىً لِلنَّاسِ * أي أنزل حال كونه هدى كاملا للناس كافة وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى اي وآيات بينات