الشيخ محمد رشيد رضا
148
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والملوك والسوقة ، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة . ومن فوائده الصحية انه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أولي النهم وقليلي العمل ، ويجفف الرطوبات الضارة ، ويطهر الأمعاء من فساد الذرب والسموم التي تحدثها البطنة ، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب ، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفرّ . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « صوموا تصحوا » رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن أبي هريرة وأشار في الجامع الصغير إلى حسنه ويؤيده « اغزوا تغتنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا » رواه الطبراني في الأوسط عنه . وقال بعض أطباء الإفرنج ان صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة وأعظم فوائده كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه اللّه تعالى كما هو الملاحظ في النية على ما قدمنا ، ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد للّه في صيامه فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابا كمن ينوي التجارة مع الحج ، فإنه لولا العبادة لا كتفي بالجوع والحمية ، وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى اللّه تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال ، وفضائل الاعمال وقال الأستاذ : لا أشك في أن من يصوم على هذا الوجه يكون راضيا مرضيا مطمئنا بحيث لا يجد في نفسه اضطرابا ولا انزعاجا ، نعم ربما يوجد عنده شيء من الفتور الجسماني وأما الروحاني فلا ، وأعرف رجلا لا يغضب في رمضان مما يغضب له في غيره ، ولا يمل من حديث الناس ما كان يمله في أيام الفطر ، وذلك لأنه صائم لوجه اللّه تعال ى ( والظاهر أنه يعني نفسه ) ويؤيد قوله ما ورد في علامات الصائم ، من ترك المعاصي والمآثم ، ومنها حديث أبي هريرة عند أحمد والبخاري وأصحاب السنن إلا النسائي مرفوعا « من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه » أين هذا كله من الصوم الذي عليه أكثر الناس وهو ما تراهم متفقين عليه من إثارته لسرعة السخط والحمق ، وشدة الغضب لأدنى سبب ، واشتهر هذا بينهم