الشيخ محمد رشيد رضا
145
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا ، وهو انه يعدّ نفس الصائم لتقوى اللّه تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالا لأمره واحتسابا للأجر عنده ، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه ، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والإصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « الصيام نصف الصبر » رواه ابن ماجة وصححه في الجامع الصغير . وهذا معنى دلالة ( لعل ) على الترجي فالرجاء انما يكون فيما وقعت أسبابه ، وموضعه هنا المخاطبون لا المتكلم ، ومن لم يصم بالنية وقصد القربة لا ترجى له هذه الملكة في التقوى . فليس الصيام في الاسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها قال شيخنا إن الوثنيين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم ، أو لارضائها واستمالتها إلى مساعدتهم في بعض الشؤون والاغراض ، وكانوا يعتقدون ان إرضاء الآلهة والتزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد ، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب ، حتى جاء الاسلام يعلمنا ان الصوم ونحوه انما فرص لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى ، وان اللّه غني عنا وعن عملنا ، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا . ( ثم قال ما معناه مبسوطا ) قلنا إن معنى « لعل » الاعداد والتهيئة ، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى اللّه تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنا ، وأنصعها برهانا ، وأظهرها أثرا ، وأعلاها خطرا ( شرفا ) أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا اللّه تعالى ، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه ، فإذا ترك الانسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لامر ربه والخضوع لارشاد دينه مدة شهر كامل في السنة ، ملاحظا عند عروض كل رغيبة له - من أكل نفيس ، وشراب عذب ، وفاكهة يانعة ، وغير ذلك كزينة زوجه أو جمالها الداعي إلى ملابستها - انه لولا اطلاع اللّه تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها ، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة « تفسير المنار » « 19 » « الجزء الثاني »