الشيخ محمد رشيد رضا
137
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نفاذ هذا مشروطا بنفاذ ذلك قبله ، ويجعل الوالدين والأقربين في آية أخرى أولى بالوصية لهم من غيرهم ، لعلمه سبحانه وتعالى بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحيانا ، فقد قال في آيات الإرث من سورة النساء ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ ) * فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك أقول ورأيت الآلوسي نقل عن بعض فقهاء الحنفية أن آية الإرث نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق ، وأن اللّه تعالى رتب الميراث على وصية منكرة والوصية الأولى كانت معهودة ، فلو كانت تلك الوصية باقية لوجب ترتيبه على المعهود ، فلما لم يترتب عليه ورتب على المطلق دل على نسخ الوصية المقيدة ، لان الاطلاق بعد التقييد نسخ ، كما أن التقييد بعد الاطلاق نسخ اه . فأما دعواه الاتفاق في التقدم والتأخر فلا دليل عليها ، وأما تأويله فظاهر البطلان ، وقاعدة الاطلاق والتقييد إن سلمت لا تؤخذ على اطلاقها لان شرع الوصية على الاطلاق لا ينافي شرع الوصية لصنف مخصوص ، ونظير هذا الامر بمواساة الفقراء مطلقا ، والامر بمواساة الضعفاء والمرضى منهم ، لا يتعارضان ، ولا يصح أن يكون الثاني منهما مبطلا للأول ، إلا إذا وجد في العبارة ما ينفي ذلك وما في الآيتين ليس من قبيل تعارض المطلق والمقيد ، وانما آية الوصية خاصة ، وذكر الوصية منكرة في آية الإرث يفيد الاطلاق الذي يشمل ذلك الخاص وغيره ، فان سلمنا لذلك الحنفي أن آية الميراث متأخرة ، فلا نسلم له أنه كان يجب أن تذكر فيها الوصية بالتعريف لتدل على الوصية المعهودة ، إذ لو رتب الإرث على الوصية المعهودة لما جازت الوصية لغير الوالدين والأقربين . ولو كان الأسلوب العربي يقتضي ما قاله لما قال علي وابن عباس وغيرهما من السلف بالوصية للوالدين والأقربين على ما تقدم ، وقد نقل ذلك الآلوسي نفسه بعد ما تقدم عنه ، ولكنه سمى التخصيص نسخا ، فنقل عن ابن عباس أنها خاصة بمن لا يرث من الوالدين والأقربين ، كأن يكون الوالدان كافرين . قال وروي عن علي كرم اللّه تعالى وجهه : من لم يوص عند موته لذوي قرابته - ممن لم يرث - فقد ختم عمله بمعصية : ثم ذكر ان الأكثرين قالوا بأن هذه الوصية مستحبة لا واجبة ، وسمى هذا كغيره نسخا