الشيخ محمد رشيد رضا

135

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ووصى فلانا بكذا من العمل أو المال ، ووصى بفلان ، وأوصى له بكذا من مال أو منفعة . وأوصاه فيه - أي في شأنه . وايصاء اللّه بالشيء وفيه أمره . وفسروا الخير بالمال وقيده الأكثرون بالكثير اخذا من التنكير ، ولم يقيده الجلال بذلك . قال الأستاذ الامام : لم يقتصر أحد من المفسرين على ذكر المال فقط إلا مفسرنا وقوله صادق فيما ذكروه وجها وذكروا معه قول من قيده بالكثير كالبيضاوي ، وجزم المفسر بان الآية منسوخة بآية المواريث وحديث الترمذي « لا وصية لوارث » ورده بعضهم ، فكلام الجلالين في المسألتين غير مسلم ، وانني أفصل ما ذهب اليه شيخنا وأشرح استدلاله عليه فأقول : أما الأولى فقد قالوا إن المال لا يسمى في العرف خيرا الا إذا كان كثيرا كما لا يقال فلان ذو مال إلا إذا كان ماله كثيرا ، وإن تناول اللفظ صاحب المال القليل ، وأيدوا هذا بما رواه ابن أبي شيبة عن عائشة ( رض ) قال لها رجل أريد أن أوصي ، قالت كم مالك ؟ قال ثلاثة آلاف . قالت كم عيالك ؟ قال أربعة ، قالت قال اللّه تعالى ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل . وروى البيهقي وغيره ان عليا دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال ألا أوصي ؟ قال لا إنما قال اللّه تعالى ( إِنْ تَرَكَ خَيْراً ) وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك - فعبارتهما تدل على أنهم ما كانوا يفهمون من الخير إلا المال الكثير . واختلفوا في تقدير الكثير فروى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال : من لم يترك ستين دينارا لم يترك خيرا . واختار الأستاذ الامام عدم تقديره لاختلافه باختلاف العرف ، فهو موكول عنده إلى اعتقاد الشخص وحاله . ولا يخفى أن العرف يختلف باختلاف الزمان والاشخاص والبيوت ، فمن يترك سبعين دينارا في منزل قفر ، وبلد فقر ، وهو من الدهماء فقد ترك خيرا . ولكن الأمير أو الوزير ، إذا تركا مثل ذلك في المصر الكبير ، فهما لم يتركا إلا العدم والفقر ، وما لا يفي بتجهيزهما إلى القبر وأما الثانية فهي خلافية والجمهور على أن الآية منسوخة بآية المواريث أو بحديث : لا وصية لوارث ، أو بهما جميعا على أن الحديث مبين للآية . قال البيضاوي