الشيخ محمد رشيد رضا

133

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من يبذل المال الكثير لأجل الايقاع بعدوه - وفي الآية من براعة العبارة ، وبلاغة القول ما يذهب باستبشاع إزهاق الروح في العقوبة ، ويوطن النفوس على قبول حكم المساواة إذ لم يسم العقوبة قتلا أو إعداما بل سماها مساواة بين الناس تنطوي على حياة سعيدة لهم ، هذا وان دول الإفرنج تجري على سنة عرب الجاهلية في جعل القتل لأعدائها وخصومها أنفى لقتلهم إياها . وذلك شأنهم مع الضعفاء ، كالشعوب التي ابتليت باستيلائهم عليها باسم الاستعمار أو غيره من الأسماء ، فأين هي من عدل الاسلام ، ومساواته بين جميع الأنام ؟ قال تعالى - بعد هذا البيان ، المتضمن للحكمة والبرهان يا أُولِي الْأَلْبابِ * فحص بالنداء أصحاب العقول الكاملة ، مع أن الخطاب عام للتنبيه على أن ذا اللب هو الذي يعرف قيمة الحياة والمحافظة عليها ، ويعرف ما تقوم به المصلحة العامة وما يتوسل به إليها ، وهو مرتبتان : القصاص وهو العدل ، والعفو وهو الفضل . كأنه يقول : ان ذا اللب هو الذي يفقه سر هذا الحكم وما اشتمل عليه من الحكمة والمصلحة ، فعلى كل مكلف أن يستعمل عقله في فهم دقائق الاحكام ، وما فيها من المنفعة للأنام ، وهو يفيد أن من ينكر منفعة القصاص بعد هذا البيان ، فهو بلا لب ولا جنان ، ولا رحمة ولا حنان ، وقوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * جعله الجلال تعليلا لشرع القصاص وقدر له ( شرع ) أي لما كان في القصاص حياة لكم كتبناه عليكم وشرعناه لكم ، لعلكم تتقون الاعتداء ، وتكفون عن سفك الدماء ، وقال الأستاذ الامام : ان هذا لا بأس به والشرعية مفهومة من الآية ، وإيجاز القرآن يقتضي عدم التصريح بها لأجل التعليل كما صرح به في الآية التي قبلها ( كتب عليكم ) ويمكن أن يستغنى عن تقدير ( شرع ) ويتعلق الرجاء بالظرف في قوله ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) أي ثبتت لكم الحياة في القصاص لتعدكم وتهيئكم للتقوى والاحتراس من سفك الدماء ، وسائر ضروب الاعتداء ، إذ العاقل حريص على الحياة ولوع بالاخذ بوسائلها ، والاحتراس من غوائلها ،