الشيخ محمد رشيد رضا
126
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإبطال ذلك الامتياز الذي للأقوياء على الضعفاء ، ولذلك قال الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى أي ان هذا القصاص لا هوادة فيه ولا جور ، فإذا قتل حر حرا يقتل هو به لا غيره من سادات القبيلة ولا أكثر من واحد ، وإذا قتل عبد عبدا يقتل هو به لا سيده ، ولا أحد الأحرار من قبيلته ، وكذلك المرأة إذا قتلت تقتل هي ولا يقتل واحد فداء عنها ، خلافا لما كانت عليه الجاهلية في ذلك كله . فالقصاص على القاتل نفسه أيّا كان لا على أحد من قبيلته . فما كانت عليه العرب في الثأريبين هذا المعنى من الآية ولكن مفهوم اللفظ بحد ذاته وسياق مقابلة الأصناف بالأصناف يفهم انه لا يقتل فريق بفريق آخر ، وهو غير مراد على إطلاقه ، فقد جرى العمل من زمن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الآن على قتل الرجل بالمرأة واختلفوا في قتل الحر بالعبد فذهب أبو حنيفة وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا لم يكن سيده . وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل به مطلقا ، والاختلاف في قتل الرجل بالمرأة أضعف ولهذه الخلافات زعم بعضهم ان في الآية نسخا وإنما منشأ الخلاف أدلة أخرى من السنة وغيرها والاعتبار بمفهوم المخالفة في الآية وعدمه ، والقرآن فوق كل خلاف . فمنطوق الآية لا مجال للخلاف فيه وهو أن الحر يقتل بالحر الخ وأما كون الحر يقتل بالعبد والرجل بالمرأة فهذا يؤخذ من لفظ القصاص ولا يعارضه مفهوم التفصيل ، فان بعض أهل الأصول لا يعتبر المفهوم المخالف للمنطوق وبعضهم يعتبره بشرط لا يتحقق هنا لما ذكروه في سبب النزول منطبقا على ما ذكرناه عن العرب قال البيضاوي في تفسير الآية : كان في الجاهلية بين حيين من احياء العرب دماء وكان لآحدهما طول على الآخر فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى ، فلما جاء الاسلام تحاكموا إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت وأمرهم ان يتبارءوا . ولا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى كما لا تدل على عكسه ، فان المفهوم يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم اه والبيضاوي من الشافعية القائلين بمفهوم المخالفة . وما ذكره في سبب النزول أخرجه ابن أبي حاتم . ويدخل في عموم الآية الكافر وبه قال الكوفيون والثوري وقال الجمهور