الشيخ محمد رشيد رضا
117
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ومشروعية البذل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لا تتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود ، ولا يكون المبذول مقدارا معينا بالنسبة إلى ما يملك ككونه عشرا أو ربع العشر أو عشر العشر مثلا ، وانما هو أمر مطلق بالاحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى . ووقاية الانسان المحترم من الهلاك والتلف واجبة على من قدر عليها ، وما زاد على ذلك فلا تقدير له - وقد أغفل أكثر الناس هذه الحقوق العامة التي حث عليها الكتاب العزيز لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة ، فلا يكادون يبذلون شيئا لهؤلاء المحتاجين الا القليل النادر لبعض السائلين ، وهم في هذا الزمان أقل الناس استحقاقا لأنهم اتخذوا السؤال حرفة وأكثرهم واجدون ، ولو أقاموها لكان حال المسلمين في معايشهم خيرا من سائر الأمم ولكان هذا من أسباب دخول الناس في الاسلام ، وتفضيله على جميع ما يتصور الباحثون من مذاهب الاشتراكيين والماليين ثم قال وَأَقامَ الصَّلاةَ اي أداها على أكمل وجه واقومه وادامها ، وهذا هو الركن الروحاني الركين للبر . وإقامة الصلاة التي يكرر القرآن المطالبة بها لا تتحقق بأداء أفعال الصلاة وأقوالها فقط وان جاء بها المصلي تامة على الوجه الذي يذكره الفقهاء ، لان ما يذكرونه هو صورة الصلاة وهيأتها ، وانما البر والتقوى في سر الصلاة وروحها الذي تصدر عنه آثارها من النهي عن الفحشاء والمنكر ، وقلب الطباع السقيمة ، والاستعاضة عنها بالغرائز المستقيمة ، فقد قال تعالى ( 70 : 19 إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً 20 إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً 21 وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً 22 إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) فمن حافظ على الصلاة الحقيقية تطهرت نفسه من الهلع والجزع إذا مسه الشر ، ومن البخل والمنع إذا مسه الخير ، وكان شجاعا كريما قوي العزيمة شديد الشكيمة لا يرضى بالضيم ، ولا يخشى في الحق العذل واللوم ، لأنه بمراقبته للّه تعالى في صلاته ، واستشعاره عظمته وسلطانه الاعلى في ركوعه وسجوده ، يكون اللّه تعالى غالبا على أمره ، فلا يبالي ما لقي من الشدائد في سبيله ، وما انفق من فضله ابتغاء مرضاته - وصورة الصلاة لا تعطي صاحبها شيئا من هذه المعاني ، فليست بمجردها من البر في شيء ، وانما شرعت