الشيخ محمد رشيد رضا

107

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تمثلت للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حال أولئك الجاحدين المعاندين الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، واتخذوا إلههم الهوى ، وواثبوا الحق يقارعهم ويقارعونه ، وناصبوا الدليل ينازعهم وينازعونه ، بحال الذي يتقحم في النار ، ويكره نفسه على الاصطبار ، كما يتمثل ذلك الثمن القليل الذي باعوا به الحق نارا يزدردونها ، إذ كان آلاما يتحملونها ، فمكابرة البرهان أشد العذاب عند العقلاء ، ومحاربة القلب ( الضمير والوجدان ) أوجع الآلام عند الفضلاء ، فالعاقل يستطيع أن يمنع نفسه من أكثر اللذات الحسية ، ولكنه لا يستطيع أن يمنع عقله العلم وذهنه الفهم ، فقد قيل ( لديوجين ) لا تسمع ، فسد أذنيه ، فقيل له : لا نبصر ، فأغمض عينيه ، فقيل له لا تذق فقبل ، فقيل له لا تفهم فقال لا أقدر . فلا غرو إذا مثلت للنبي حال أولئك المكابرين للحق بما ذكر وأظهرته البلاغة بصيغة التعجب تارة وبصورة أكل النار تارة * * * قال تعالى في تعليل ما ذكر ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي ذلك الحكم الذي تقرر في شأنهم هو بسبب أن الكتاب جاء بالحق والحق لا يغالب ولا يقاوى ، فمن غالبه غلب ، ومن خذله خذل . ثم قال وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ أي وان الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله اللّه للحكم في الخلاف وجمع الكلمة على اتباع الحق ، لفي شقاق وعداء بعيد عن سبيل الحق ، فأنى يهتدون اليه ، وكل منهم يخالف الآخر بما ابتدعه من مذهب أو رأي فيه حتى صار ( أي الكتاب ) وهو مزيل الاختلاف أعظم أسبابه ، يطرق لأجل ازالته والحكم فيه كل باب غير بابه ؟ والشقاق الخلاف والتعادي وحقيقته أن يكون كل واحد من الخصمين في شق أي في جانب غير الذي فيه الآخر ، والمختلفون في الدين ينأى كل بجانبه عن الآخر فيكون الشقاق بينهما بعيدا كما نرى هذا حكم آخر في الكتاب غير حكم كتمانه ، فهو يفهمنا ان الاختلاف فيه بعد عن الحق ككتمانه ، لان الحق واحد وهو ما يدعو اليه الكتاب ، والمختلفون لا يدعون إلى شيء واحد ولا يسلكون سبيلا واحدة ( هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) وهذا دليل على أنه لا يجوز لأهل الكتاب