الشيخ محمد رشيد رضا
104
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أي انه يوجب الجهاد ما دام الناس يفتنون في الدين - أي لا تكون لهم حرية فيه ولا في الدعوة اليه - أو يعتدى عليهم وعلى بلادهم ( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) * وسيأتي تفسيرها قريبا * * * أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ أي أولئك الكاتمون لكتاب اللّه والمتجرون به ما يأكلون في بطونهم من ثمنه الا ما يكون سببا لدخول النار وانتهاء مطامعهم بعذابها ، وهذا أظهر من القول بأنهم لا يأكلون في دار الجزاء إلا النار أو طعام النار من الضريع والزقوم ، وعبر عن المنافع بالاكل لأنه أعمها ، والمعنى لا تملأ بطونهم إلا النار ، فان الاكل لما كان لا يكون إلا في البطن كان لا بد من نكتة لذكر البطن إذا قيل أكل في بطنه ، ورأيناهم يعبرون بذلك عن الامتلاء ، يقولون أكل في بطنه يريدون ملأ بطنه ، والأصل ان يأكل الانسان دون امتلاء بطنه . والمراد انه لا يشبع جشعهم ، ولا يذهب بطمعهم ، إلا النار التي يصيرون إليها ، على حد ما ورد في الحديث « ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب » واستشهدوا للتعبير بأكل النار عن سبب عذابها بقول القائل في زوجه : دمشق خذيها لا تقتك فليلة * تمر بعودي نعشها ليلة القدر أكلت دما إن لم أرعك بضرة * بعيدة مهوى القرط طيبة النشر فإنه يريد بالدم الدية التي هو سببها - وأكلها عار عندهم - فهو يدعو على نفسه بان يبتلى بأكل الدية إن لم يرع زوجه ويزعجها بضرة هي من الجمال بالصفة التي ذكرها ، وأكل الدية يتوقف على أن يقتل بعض أهله الذين له الولاية عليهم . قال تعالى وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ قالوا إن الكلام كناية عن الاعراض عنهم والغضب عليهم وهي كناية مشهورة شائعة إلى اليوم . وجمعوا بهذا بين الآية وبين قوله تعالى ( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) وقوله ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) - وقيل لا يكلمهم بما يحبونه وَلا يُزَكِّيهِمْ أي لا يطهرهم من ذنوبهم بالمغفرة والعفو وقد ماتوا وهم مصرون على كفرهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي شديد الألم