الشيخ محمد رشيد رضا
100
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليها بأحاديث آحادية في دلالتها نظر وبعموم تحريم الخبائث وهي معارضة بما في هذه الآية وغيرها من الحصر . وقد حققت هذه المسألة في تفسير ( 6 : 145 قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ ) الخ وفندت ما قيل في تأويلها بما ظهر به أن القرآن فوق كل خلاف « 1 » ومن مباحث البلاغة في الآية ان ذكر ( غَفُورٌ ) له فيها نكتة دقيقة لا تظهر الا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة ، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبيء بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية . وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات . والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدا ومرجعه إلى اجتهاد المضطر ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق وأن يقف عنده ، والصادق الايمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره ، فاللّه تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود . واللّه أعلم * * * ( 174 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 175 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( 176 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
--> ( 1 ) ومن عجائب الجهل ان أحد كبار علماء الأزهر استدل في هذه الأيام بمفهوم المخالفة في الآية على جواز دعاء غير اللّه والاستغاثة بالموتى لجلب النفع ودفع الضر أي زعم أنها تدل على جواز الشرك باللّه سبحانه ، وتنزيها لكتابه عن ذلك ! !