الشيخ محمد رشيد رضا
98
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليه عدم القصد إلى إماتتها بعمل الانسان وهو سبب الفرق بين المخنوقة والمنخنقة التي هي في معنى الميتة حتف انفها ، ولذلك كان في معنى الميتة كل ما زالت حياته بغير قصد الذكاة كالمنخنقة والموقوذة - إلى آخر « * » ما ذكر في آية المائدة وَالدَّمَ أي المسفوح كما في آية الانعام ، فإنه قذر لا طيب وضار كالميتة وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ فإنه قذر ، لان أشهى غذاء الخنزير اليه القاذورات والنجاسات ، وهو ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة كما ثبت بالتجربة ، وأكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القتالة ويقال إن له تأثيرا سيئا في العفة والغيرة وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ * وهو ما يذبح ويقدم للأصنام أو غيرها مما يعبد . والمنع من هذا ديني محض لحماية التوحيد ، لأنه من اعمال الوثنية ، فكل من أهل لغير اللّه على ذبيحة فإنه يتقرب إلى من أهل باسمه تقرب عبادة ، وذلك من الاشراك والاعتماد على غير اللّه تعالى وقد ذكر الفقهاء ان كل ما ذكر عليه اسم غير اللّه ولو مع اسم اللّه فهو محرم ، وعد منه الأستاذ الامام ما يجري في الأرياف كثيرا من قولهم عند الذبح - لا سيما ذبح المنذور - بسم اللّه ، اللّه أكبر ، يا سيد . يدعون السيد البدوي أن يلتفت إليهم ويتقبل النذر ويقضي حاجة صاحبه ( قال ) وكيفما أولته فهو محرم . ومثل ذكر السيد ذكر الرسول أو المسيح إذ لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها ، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا يشاركه في ذلك سواه ، ولا يتقرب بها إلى من عداه ، ممن لم يخلق ولم ينعم ولم يبح ذلك لأنه غير واضع للدين فَمَنِ اضْطُرَّ إلى الاكل مما ذكر بأن لم يجد ما يسد به رمقه سواه غَيْرَ باغٍ له أي غير طالب له ، راغب فيه لذاته وَلا عادٍ متجاوز قدر الضرورة فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لان الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعا أشد ضررا من أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير ، بل الضرر في ترك الأكل محقق ، وهو في فعله مظنون ، وربما كانت شدة الحاجة إلى الاكل مع الاكتفاء بسد الرمق مانعة من الضرر . وأما ما أهل
--> ( * ) بينا شرح هذا بدليله وحكمته في المجلد السادس من المنار ثم فصلنا الموضوع كله أتم التفصيل في تفسير آية المائدة ( 5 : 3 حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) من الجزء السادس