الشيخ محمد رشيد رضا

6

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وسد الذرائع لانقاض أهلها . وإذا صلحت النفس البشرية أصلحت كل شئ تأخذ به وتتولى أمره ، فالإنسان سيد هذه الأرض ؛ وصلاحها وفسادها منوط بصلاحه وفساده ، وليست الثروة ولا وسائلها من صناعة وزراعة وتجارة هي المعيار لصلاح البشر ، ولا الملك ووسائله من القوة والسياسة ، فان البشر قد أوجدوا كل وسائل الملك والحضارة من علوم وفنون وأعمال بعد أن لم تكن - فهي إذا نابعة من معين الاستعداد الإنسانى ، تابعة له دون العكس ، ودليل ذلك في العكس كدليله في الطرد ، فإننا نحن المسلمين وكثيرا من الشعوب التي ورثت الملك والحضارة عن سلف أوجدهما من العدم : ممن أضاعوهما بعد وجودهما بفساد أنفسهم . صلحت أنفس العرب بالقرآن إذ كانوا يتلونه حق تلاوته في صلواتهم المفروضة وفي تهجدهم وسائر أوقاتهم - فرفع أنفسهم وطهرها من خرافات الوثنية المذلة للنفوس المستعبدة لها ، وهذب أخلاقها وأعلى هممها ، وأرشدها إلى تسخير هذا الكون الأرضي كله لها ، فطلبت ذلك فأرشدها طلبه إلى العلم بسننه تعالى فيه من أسباب القوة والضعف ، والغنى والفقر ، والعز والذل ، فهداها ذلك إلى العلوم والفنون والصناعات ، فأحيت مواتها ، وأبدعت فيها ما لم يسبقه إليها غيرها . حتى قال صاحب كتاب تطور الأمم من حكما الغرب : إن ملكة الفنون لا تستحكم في أمة من الأمم إلا في ثلاثة أجيال : جيل التقليد ، وجيل الخضرمة ، وجبل الاستقلال ، وشذ العرب وحدهم فاستحكمت فيهم ملكة الفنون في جيل واحد . قد شاهدنا ولا نزال نشاهد في بلانا : أن طلب العلوم والفنون مع إهمال التربية المصلحة للنفس لم تحل دون استعباد الأجانب لنا ، كما جرى في دولتي الآستانة والقاهرة وغيرهما . ترى الرجل المتعلم المتفنن يتولى ولاية أو وزارة فيكون أول همه منها تأسيس ثروة واسعة لنفسه وولده لأجل التمتع بالشهوات واللذات والزينة ، وهكذا تفعل كل طبقة من رجال الدولة ، يستنزفون ثروة الأمة بالرشى والحيل وأكل السحت ، ويكون كل ما فضل عن شهواتهم بل جل ما ينفقونه عليها نصيب الأجانب ، وقد شرحنا هذه الموضوعات من قبل في مواضعها من المنار والتفسير فلا نطيل فيها هنا . وإنما طرقنا هذا الباب لنذكركم أيها القارئون لهذه