الشيخ محمد رشيد رضا
24
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القائم بهذا الفرض الكفائي : أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم . لأن القرآن ينادى بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث به لهدايتهم وإسعادهم . وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة ، أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه ؟ هل يكتفى من علماء القرآن دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد . بأن يقولوا تقليدا لغيرهم : إن الناس كانوا على باطل ، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة ؟ كلا . وأقول الآن : يروى عن عمر ( رض ) أنه قال « إنما تنقض عرى الاسلام عروة عروة : إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية » والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية اللّه يجعله مغيرا لأحوال البشر ومخرجا لهم من الظلمات إلى النور ، ومن جهل هذا يظن أن الاسلام أمر عادى . كما ترى بعض الذين يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو . لأنه من ضروريات الحياة عندهم ، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر وتأثير تلك الآداب من أين جاء ؟ ( خامسها ) العلم بسيرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ، وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها . فعلم مما ذكرنا أن التفسير قسمان : ( أحدهما ) جافّ مبعد عن اللّه وعن كتابه ، وهو ما يقصد به حل الألفاظ وإعراب الجمل وبيان ما ترمى إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرا ، وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون كالنحو والمعاني وغيرهما .