الشيخ محمد رشيد رضا

11

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في أثناء هذه الحال الغالبة على ظفرت يدي بنسخ من جريدة العروة الوثقى في أوراق والدي فلما قرأت مقالاتها في الدعوة إلى الجامعة الاسلامية وإعادة مجد الاسلام وسلطانه وعزته ، واسترداد ما ذهب من ممالكه ، وتحرير ما استعبد الأجانب من شعوبه - أثرت في قلبي تأثيرا دخلت به في طور جديد من حياتي وأعجبت جد الإعجاب بمنهج تلك المقالات في الاستشهاد والاستدلال على قضاياها بآيات من الكتاب العزيز ، وما تضمنه تفسيرها مما لم يحوم حوله أحد من المفسرين على اختلاف أساليبهم في الكتابة ، ومداركهم في الفهم . وأهم ما انفرد به منهج العروة الوثقى في ذلك ثلاثة أمور : ( أحدها ) بيان سنن اللّه تعالى في الخلق ونظام الاجتماع البشرى ، وأسباب ترقى الأمم وتدليها ، وقوتها وضعفها ( ثانيها ) بيان أن الاسلام دين سيادة وسلطان ، وجمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة ، ومقتضى ذلك أنه دين روحاني اجتماعي ، ومدنى عسكرى ، وأن القوة الحربية فيه لأجل المحافظة على الشريعة العادلة ، والهداية العامة ، وعزة الملة ، لا لأجل الإكراه على الدين بالقوة ( ثالثها ) أن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم ، فهم إخوة لا يجوز أن يفرقهم نسب ولا لغة ولا حكومة . تلك المقالات التي حببت إلىّ حكيمى الشرق ، ومجددى الاسلام ومصلحى العصر ، السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده المصري ، وهما اللذان أنشآ جريدة العروة الوثقى في باريس سنة 1301 عقب احتلال الانكليز لمصر في أواخر سنة 1299 وكان الكاتب لتلك المقالات العالية فيها هو الثاني ولكن بإرشاد الأول وإدارته وسياسته ، وهو أستاذه في هذا المنهج ومربيه عليه . توجهت نفسي بتأثير العروة الوثقى إلى الهجرة إلى السيد جمال والتلقي عنه وكان قد جاء إلى الآستانة فكتبت إليه بترجمتى ورغبتي في صحبته وأنه لا يصدني عنها إلا إقامته في الآستانة لاعتقادى أنه لا يستطيع طول المقام فيها ، وعللت ذلك بقولي « لأن بلاد الشرق أمست كالمريض الأحمق يأبى الدواء ويعافه لأنه دواء » وبعد أن توفاه اللّه تعالى إليه فيها تعلق أملى بالاتصال بخليفته الشيخ محمد عبده للوقوف على اختباره وآرائه في الاصلاح الاسلامي ، وما زلت أتربص الفرص