الشيخ محمد رشيد رضا

9

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه : فهذا موجود كثير وللّه الحمد وإن قال الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازي . وذلك لأن الغالب عليها المراسيل . وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان » ثم ذكر الجهتين اللتين هما مثار الخطأ ( وإحداهما ) حمل ألفاظ القرآن على معاني اعتقدوها لتأييدها به - أقول : كجميع مقلدة الفرق والمذاهب في الأصول والفروع المتعصبين لها فإنهم قد جعلوا مذاهبهم أصولا والقرآن فرعا لها يحمل عليها ، وهذا شر أنواع البدع وتفسير القرآن بالرأي المذموم في الحديث ( والثانية ) التفسير بمجرد دلالة اللغة العربية من غير مراعاة المتكلم بالقرآن ، وهو اللّه عز وجل ؛ والمنزل عليه والمخاطب به - وفصل ذلك بما يراجع في محله . فأنت ترى أن هذا الإمام المحقق جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عرف أنه من رواة الإسرائيليات ، وهذا في غير ما يقوم الدليل على بطلانه في نفسه . وصرح في هذا المقام بروايات كعب الأحبار ووهب بن منبه مع أن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدلوهما . فكيف لو تبين له ما تبين لنا من كذب كعب ووهب وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شئ منه ولا حومت حوله ؟ - وكذا ما نقل عن بعض التابعين ، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب - يعني بخلاف ما اتفق عليه أهل الرواية من علماء التفسير وغيره منهم ، فإنه يكون أبعد من أن يكون عن أهل الكتاب . وإنما الوقف فيما ينقل نقلا صحيحا عن كتب الأنبياء كالتوراة والإنجيل التي عندهم ، لا نصدقهم فيه لاحتمال أنه مما حرفوا فيها ، ولا نكذبهم لاحتمال أنه مما حفظوا منها ، فقد قال تعالى فيهم : إنهم ( أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ) * وأنت ترى أيضا أنه لم يجزم بما روى عن الصحابة ( رض ) من ذلك ، وإنما قال إن النفس اليه أسكن مما ينقل عن التابعين . لأن احتمال سماعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أقوى من احتمال سماعه من بعض أهل الكتاب لقلة رواية الصحابة عنهم ، وهذا ينقض قول من أطلق الحكم بأن ما قاله الصحابي الثقة مما لا يعرف بالاستدلال