سيد قطب
3870
في ظلال القرآن
« بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ . فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » . . بل الذين كفروا يكذبون . يكذبون إطلاقا . فالتكذيب طابعهم وميسمهم وطبعهم الأصيل . واللّه أعلم بما يكنون في صدورهم ، ويضمون عليه جوانحهم ، من شر وسوء ودوافع لهذا التكذيب . . ويترك الحديث عنهم ، ويتجه بالخطاب إلى الرسول الكريم : « فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » . . ويا لها من بشرى لا تسر ولا يودها متطلع إلى بشرى من بشير ! وفي الوقت ذاته يعرض ما ينتظر المؤمنين الذين لا يكذبون ، فيستعدون بالعمل الصالح لما يستقبلون . ويجيء هذا العرض في السياق كأنه استثناء من مصير الكفار المكذبين : « إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ » . . وهو الذي يقال عنه في اللغة إنه استثناء منقطع . فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لم يكونوا داخلين ابتداء في تلك البشارة السوداء ثم استثنوا منها ! ولكن التعبير على هذا النحو أشد إثارة للانتباه إلى الأمر المستثنى ! والأجر غير الممنون . . هو الأجر الدائم غير المقطوع . . في دار البقاء والخلود . . وبهذا الإيقاع الحاسم القصير ، تنتهي السورة القصيرة العبارة ، البعيدة الآماد في مجالات الكون والضمير .