سيد قطب

3861

في ظلال القرآن

عن رد الأذى . وإما لترفعهم عن سفاهة السفهاء . . فكل هذا مما يثير ضحك الذين أجرموا . وهم يتخذون المؤمنين مادة لسخريتهم أو فكاهتهم المرذولة . وهم يسلطون عليهم الأذى ، ثم يضحكون الضحك اللئيم الوضيع ، مما يصيب الذين آمنوا ، وهم صابرون مترفعون متجملون بأدب المؤمنين ! « وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ » . . يغمز بعضهم لبعض بعينه ، أو يشير بيده ، أو يأتي بحركة متعارفة بينهم للسخرية من المؤمنين . وهي حركة وضيعة واطية تكشف عن سوء الأدب ، والتجرد من التهذيب . بقصد إيقاع الانكسار في قلوب المؤمنين ، وإصابتهم بالخجل والربكة ، وهؤلاء الأوغاد يتغامزون عليهم ساخرين ! « وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ » بعد ما أشبعوا نفوسهم الصغيرة الرديئة من السخرية بالمؤمنين وإيذائهم . . « انْقَلَبُوا فَكِهِينَ » . . راضين عن أنفسهم ، مبتهجين بما فعلوا ، مستمتعين بهذا الشر الصغير الحقير . فلم يتلوموا ولم يندموا ، ولم يشعروا بحقارة ما صنعوا وقذارة ما فعلوا . وهذا منتهى ما تصل إليه النفس من إسفاف وموت للضمير ! « وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا : إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ » ! وهذه أعجب . . فليس أعجب من أن يتحدث هؤلاء الفجار المجرمون عن الهدى والضلال . وأن يزعموا حين يرون المؤمنين ، أن المؤمنين ضالون . ويشيروا إليهم مؤكدين لهذا الوصف في تشهير وتحقير : « إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ! » . . والفجور لا يقف عند حد ، ولا يستحيي من قول ، ولا يتلوم من فعل . واتهام المؤمنين بأنهم ضالون حين يوجهه الفجار المجرمون ، إنما يمثل الفجور في طبيعته التي هي تجاوز لجميع الحدود ! والقرآن لا يقف ليجادل عن الذين آمنوا ، ولا ليناقش طبيعة الفرية . فهي كلمة فاجرة لا تستحق المناقشة . ولكنه يسخر سخرية عالية من القوم الذين يدسون أنوفهم فيما ليس من شأنهم ، ويتطفلون بلا دعوة من أحد في هذا الأمر : « وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ » . . وما وكلوا بشأن هؤلاء المؤمنين ، وما أقيموا عليهم رقباء ، ولا كلفوا وزنهم وتقدير حالهم ! فما لهم هم وهذا الوصف وهذا التقرير ! وينهي بهذه السخرية العالية حكاية ما كان من الذين أجرموا في الدنيا . . ما كان . . ويطوي هذا المشهد الذي انتهى . ليعرض المشهد الحاضر والذين آمنوا في ذلك النعيم : « فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ » . . اليوم والكفار محجبون عن ربهم ، يقاسون ألم هذا الحجاب الذي تهدر معه إنسانيتهم ، فيصلون الجحيم ، مع الترذيل والتأنيب حيث يقال : « هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ » . . اليوم والذين آمنوا على الأرائك ينظرون . في ذلك النعيم المقيم ، وهم يتناولون الرحيق المختوم بالمسك الممزوج بالتسنيم . . فاليوم . . الذين آمنوا من الكفار يضحكون . . والقرآن يتوجه بالسخرية العالية مرة أخرى وهو يسأل : « هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ؟ » . أجل ! هل ثوبوا ؟ هل وجدوا ثواب ما فعلوا ؟ وهم لم يجدوا « الثواب » المعروف من الكلمة . فنحن نشهدهم اللحظة في الجحيم ! ولكنهم من غير شك لاقوا جزاء ما فعلوا . فهو ثوابهم إذن . وبالسخرية الكامنة في كلمة الثواب في هذا المقام !