سيد قطب
3858
في ظلال القرآن
ويرين عليه غطاء كثيف يحجب النور عنه ويحجبه عن النور ، ويفقده الحساسية شيئا فشيئا حتى يتبلد ويموت . . روى ابن جرير والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه . فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت » . . وقال الترمذي حسن صحيح . ولفظ النسائي : « إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء . فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه ، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه ، فهو الران الذي قال اللّه تعالى : « كَلَّا ! بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » . . وقال الحسن البصري : هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت . . ذلك حال الفجار المكذبين . وهذه هي علة الفجور والتكذيب . . ثم يذكر شيئا عن مصيرهم في ذلك اليوم العظيم . يناسب علة الفجور والتكذيب : « كَلَّا ! إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ . ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ . ثُمَّ يُقالُ : هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ » . . لقد حجبت قلوبهم المعاصي والآثام ، حجبتها عن الإحساس بربها في الدنيا . وطمستها حتى أظلمت وعميت في الحياة . . فالنهاية الطبيعية والجزاء الوفاق في الآخرة أن يحرموا النظر إلى وجه اللّه الكريم ، وأن يحال بينهم وبين هذه السعادة الكبرى ، التي لا تتاح إلا لمن شفت روحه ورقت وصفت واستحقت أن تكشف الحجب بينها وبين ربها . ممن قال فيهم في سورة القيامة : « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » . . وهذا الحجاب عن ربهم ، عذاب فوق كل عذاب ، وحرمان فوق كل حرمان . ونهاية بائسة لإنسان يستمد إنسانيته من مصدر واحد هو اتصاله بروح ربه الكريم . فإذا حجب عن هذا المصدر فقد خصائصه كإنسان كريم ؛ وارتكس إلى درجة يستحق معها الجحيم : « ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ » . . ومع الجحيم التأنيب وهو أمرّ من الجحيم : « ثُمَّ يُقالُ : هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ » ! ! ثم يعرض الصفحة الأخرى . صفحة الأبرار . على العهد بطريقة القرآن في عرض الصفحتين متقابلتين في الغالب ، لتتم المقابلة بين حقيقتين وحالين نهايتين : « كَلَّا ! إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ . وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ . إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ، تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ، يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ، خِتامُهُ مِسْكٌ . وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ . وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ . عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ » . . وكلمة « كَلَّا » تجيء في صدر هذا المقطع زجرا عما ذكر قبله من التكذيب في قوله : « ثُمَّ يُقالُ : هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ » . . ويعقب عليه بقوله : « كَلَّا » ثم يبدأ الحديث عن الأبرار في حزم وفي توكيد . فإذا كان كتاب الفجار في « سِجِّينٍ » فإن كتاب الأبرار في « عِلِّيِّينَ » . . . والأبرار هم الطائعون الفاعلون كل خير . وهم يقابلون الفجار العصاة المتجاوزين لكل حد . . ولفظ « عِلِّيِّينَ » يوحي بالعلو والارتفاع مما قد يؤخذ منه أن « سِجِّينٍ » يفيد الانحطاط والسفول . ثم يعقب عليه بسؤال التجهيل والتهويل المعهود : « وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ؟ » . . فهو أمر فوق العلم والإدراك ! ويعود من هذا الظل الموحي إلى تقرير حقيقة كتاب الأبرار . . فهو « كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ » وقد