سيد قطب
3841
في ظلال القرآن
ثم تجيء الخطوة الأخيرة في مشاهد ذلك اليوم الهائل المرهوب : « وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ . وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ » . . حيث تتوقد الجحيم وتتسعر ، ويزداد لهيبها ووهجها وحرارتها . . أما أين هي ؟ وكيف تتسعر وتتوقد ؟ وبأي شيء تتوقد ؟ فليس لدينا من ذلك إلا قوله تعالى : « وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » * . وذلك بعد إلقاء أهلها فيها . أما قبل ذلك فاللّه أعلم بها وبوقودها ! وحيث تقرب الجنة وتظهر لروادها الموعودين بها ، وتبدو لهم سهولة مدخلها ، ويسر ولوجها . فهي مزلفة مقربة مهيأة . واللفظ كأنما يزحلقها أو يزحلق الأقدام بيسر إليها ! ! عندما تقع هذه الأحداث الهائلة كلها ، في كيان الكون ، وفي أحوال الأحياء والأشياء . عندئذ لا يبقى لدى النفوس شك في حقيقة ما عملت ، وما تزودت به لهذا اليوم ، وما حملت معها للعرض ، وما أحضرت للحساب : « عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ » . . كل نفس تعلم ، في هذا اليوم الهائل ما معها وما لها وما عليها . . تعلم وهذا الهول يحيط بها ويغمرها . . تعلم وهي لا تملك أن تغير شيئا مما أحضرت ، ولا أن تزيد عليه ولا أن تنقص منه . . تعلم وقد انفصلت عن كل ما هو مألوف لها ، معهود في حياتها أو تصورها . وقد انقطعت عن عالمها وانقطع عنها عالمها . وقد تغير كل شيء وتبدل كل شيء ، ولم يبق إلا وجه اللّه الكريم ، الذي لا يتحول ولا يتبدل . . فما أولى أن تتجه النفوس إلى وجه اللّه الكريم ، فتجده - سبحانه - عندما يتحول الكون كله ويتبدل ! وبهذا الإيقاع ينتهي المقطع الأول وقد امتلأ الحس وفاض بمشاهد اليوم الذي يتم فيه هذا الانقلاب . ثم يجيء المقطع الثاني في السورة يبدأ بالتلويح بالقسم بمشاهد كونية جميلة ، تختار لها تعبيرات أنيقة . . القسم على طبيعة الوحي ، وصفة الرسول الذي يحمله ، والرسول الذي يتلقاه ، وموقف الناس حياله وفق مشيئة اللّه : « فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ . وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ . وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ، وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ . وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ . فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » . . والخنس الجوار الكنس . . هي الكواكب التي تخنس أي ترجع في دورتها الفلكية وتجري وتختفي . والتعبير يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء . وهي تجري وتختبئ في كناسها وترجع من ناحية أخرى . فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب ، وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها . في اختفائها وفي ظهورها . في تواريها وفي سفورها . في جريها وفي عودتها . يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه . « وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ » . . أي إذا أظلم . ولكن اللفظ فيه تلك الإيحاءات كذلك . فلفظ عسعس مؤلف من مقطعين : عس . عس . وهو يوحي بجرسه بحياة في هذا الليل ، وهو يعس في الظلام بيده أو برجله لا يرى !