سيد قطب

3303

في ظلال القرآن

« ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ . وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ . وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ . وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ » . . والآية ترسم صورة وصفية لواقع الجماعة المسلمة يومذاك . ولواقع الناس تجاه الدعوة إلى البذل في كل بيئة . فهي تقرر أن منهم من يبخل . ومعنى هذا أن هنالك من لا يبخلون بشيء . وقد كان هذا واقعا ، سجلته الروايات الكثيرة الصادقة ، وسجله القرآن في مواضع أخرى . وقد حقق الإسلام في هذا المجال مثلا تحسب من خوارق الأمثال في البذل والتضحية عن رضى وعن فرح بالبذل والعطاء . ولكن هذا لم يمنع أن يكون هنالك من يبخل بالمال . ولعل الجود بالنفس أرخص عند بعضهم من الجود بالمال ! والقرآن يعالج هذا الشح في هذه الآية : « وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ » . . فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور ، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد ، يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون . فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور . فإذا بخلوا بالبذل ، فإنما يبخلون على أنفسهم ؛ وإنما يقللون من رصيدهم ؛ وإنما يستخسرون المال في ذواتهم وأشخاصهم ؛ وإنما يحرمونها بأيديهم ! أجل . فاللّه لا يطلب إليهم البذل ، إلا وهو يريد لهم الخير ، ويريد لهم الوفر ، ويريد لهم الكنز والذخر . وما يناله شيء مما يبذلون ، وما هو في حاجة إلى ما ينفقون : « وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ » . . فهو الذي أعطاكم أموالكم ، وهو الذي يدخر لكم عنده ما تنفقونه منها . وهو الغني عما أعطاكم في الدنيا ، الغني عن أرصدتكم المذخورة في الآخرة . وأنتم الفقراء في الدارين وفي الحالين . أنتم الفقراء إلى رزقه في الدنيا ، فما لكم من قدرة على شيء من الرزق إلا أن يهبكم إياه . وأنتم الفقراء إلى أجره في الآخرة ، فهو الذي يتفضل به عليكم ، وما أنتم بموفين شيئا مما عليكم ، فضلا على أن يفضل لكم شيء في الآخرة ، إلا أن يتفضل عليكم . ففيم البخل إذن وفيم الشح ؟ وكل ما في أيديكم ، وكل ما ينالكم من أجر على ما تنفقون هو من عند اللّه ، ومن فضل اللّه ؟ ثم الكلمة الأخيرة وهي فصل الخطاب . . إن اختيار اللّه لكم لحمل دعوته تكريم ومنّ وعطاء . فإذا لم تحاولوا أن تكونوا أهلا لهذا الفضل ، وإذا لم تنهضوا بتكاليف هذه المكانة ، وإذا لم تدركوا قيمة ما أعطيتم فيهون عليكم كل ما عداه . . فإن اللّه يسترد ، ما وهب ، ويختار غيركم لهذه المنة ممن يقدر فضل اللّه : « وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ » . . وإنها لنذارة رهيبة لمن ذاق حلاوة الإيمان ، وأحس بكرامته على اللّه ، وبمقامه في هذا الكون وهو يحمل هذا السر الإلهي العظيم . ويمشي في الأرض بسلطان اللّه في قلبه ؛ ونور اللّه في كيانه ؛ ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه . . وما يطيق الحياة وما يطعمها إنسان عرف حقيقة الإيمان وعاش بها ثم تسلب منه ، ويطرد من الكنف ،