سيد قطب

3818

في ظلال القرآن

نعرفها ، ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن « 1 » » . وتقرير حقيقة التدبير والتقدير في تصميم هذا الكون الكبير ، وحساب مكان للإنسان فيه ملحوظ في خلقه وتطويره أمر يعد القلب والعقل لتلقي حقيقة الآخرة وما فيها من حساب وجزاء باطمئنان وتسليم . فما يمكن أن يكون هذا هو واقع النشأة الكونية والنشأة الإنسانية ثم لا تتم تمامها ، ولا تلقى جزاءها . ولا يكون معقولا أن ينتهي أمرها بنهاية الحياة القصيرة في هذه العاجلة الفانية . وأن يمضي الشر والطغيان والباطل ناجيا بما كان منه في هذه الأرض . وأن يمضي الخير والعدل والحق بما أصابه كذلك في هذه الأرض . . فهذا الفرض مخالف في طبيعته لطبيعة التقدير والتدبير الواضحة في تصميم الكون الكبير . . ومن ثم تلتقي هذه الحقيقة التي لمسها السياق في هذا المقطع بحقيقة الآخرة التي هي الموضوع الرئيسي في السورة . وتصلح تمهيدا لها في القلوب والعقول ، يجيء بعده ذكر الطامة الكبرى في موضعه وفي حينه ! « فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ، يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى . فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » . . إن الحياة الدنيا متاع . متاع مقدر بدقة وإحكام . وفق تدبير يرتبط بالكون كله ونشأة الحياة والإنسان . ولكنه متاع . متاع ينتهي إلى أجله . . فإذا جاءت الطامة الكبرى غطت على كل شيء ، وطمت على كل شيء . على المتاع الموقوت . وعلى الكون المتين المقدر المنظم . على السماء المبنية والأرض المدحوة والجبال المرساة والأحياء والحياة وعلى كل ما كان من مصارع ومواقع . فهي أكبر من هذا كله ، وهي تطم وتعم على هذا كله ! عندئذ يتذكر الإنسان ما سعى . يتذكر سعيه ويستحضره ، إن كانت أحداث الحياة ، وشواغل المتاع أغفلته عنه وأنسته إياه . يتذكره ويستحضره ولكن حيث لا يفيده التذكر والاستحضار إلا الحسرة والأسى وتصور ما وراءه من العذاب والبلوى ! « وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى » . . فهي بارزة مكشوفة لكل ذي نظر . ويشدد التعبير في اللفظ « بُرِّزَتِ » تشديدا للمعنى والجرس ، ودفعا بالمشهد إلى كل عين ! عندئذ تختلف المصائر والعواقب ؛ وتتجلى غاية التدبير والتقدير في النشأة الأولى : « فَأَمَّا مَنْ طَغى ، وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى » . . والطغيان هنا أشمل من معناه القريب . فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى . ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت ، حيث يشمل كل متجاوز للهدى ، وكل من آثر الحياة الدنيا ، واختارها على الآخرة . فعمل لها وحدها ، غير حاسب للآخرة حسابا . واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره . فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا اختلت كل الموازين في يده ، واختلت كل القيم في تقديره ، واختلت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته ، وعد طاغيا وباغيا ومتجاوزا للمدى . فأما هذا . . « فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى » . . الجحيم المكشوفة المبرزة القريبة الحاضرة . يوم الطامة الكبرى ! « وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى » . . والذي يخاف مقام ربه لا يقدم على معصية ، فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام

--> ( 1 ) عقائد المفكرين في القرن العشرين للأستاذ العقاد ص 36 .