سيد قطب

3808

في ظلال القرآن

« جَزاءً وِفاقاً » . . يوافق ما أسلفوا وما قدموا . . « إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً » . . ولا يتوقعون مآبا . . « وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً » . . وجرس اللفظ فيه شدة توحي بشدة التكذيب وشدة الإصرار عليه . بينما كان اللّه يحصي عليهم كل شيء إحصاء دقيقا لا يفلت منه حرف : « وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً » . . هنا يجيء التأنيب الميئس من كل رجاء في تغيير أو تخفيف : « فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً » . . ثم يعرض المشهد المقابل : مشهد التقاة في النعيم . بعد مشهد الطغاة في الحميم : « إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً . حَدائِقَ وَأَعْناباً . وَكَواعِبَ أَتْراباً . وَكَأْساً دِهاقاً . لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً . . جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً » . . فإذا كانت جهنم هناك مرصدا ومآبا للطاغين ، لا يفلتون منها ولا يتجاوزونها ، فإن المتقين ينتهون إلى مفازة ومنجاة ، تتمثل « حَدائِقَ وَأَعْناباً » ويخص الأعناب بالذكر والتعيين لأنها مما يعرفه المخاطبون . . « وَكَواعِبَ » وهن الفتيات الناهدات اللواتي استدارت ثديهن « أَتْراباً » متوافيات السن والجمال . « وَكَأْساً دِهاقاً » مترعة بالشراب . وهي مناعم ظاهرها حسي ، لتقريبها للتصور البشري . أما حقيقة مذاقها والمتاع بها فلا يدركها أهل الأرض وهم مقيدون بمدارك الأرض وتصوراتها . . وإلى جوارها حالة يتذوقها الضمير ويدركها الشعور : « لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً » . . فهي حياة مصونة من اللغو ومن التكذيب الذي يصاحبه الجدل ؛ فالحقيقة مكشوفة لا مجال فيها لجدل ولا تكذيب ؛ كما أنه لا مجال للغو الذي لا خير فيه . . وهي حالة من الرفعة والمتعة تليق بدار الخلود . . « جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً » . . ونلمح هنا ظاهرة الأناقة في التعبير والموسيقى في التقسيم بين « جَزاءً » و « عَطاءً » . . كما نلمحها في الإيقاع المشدود في الفواصل كلها على وجه التقريب . . وهي الظاهرة الواضحة في الجزء كله إجمالا . وتكملة لمشاهد اليوم الذي يتم فيه ذلك كله ، والذي يتساءل عنه المتسائلون ، ويختلف فيه المختلفون . يجيء المشهد الختامي في السورة ، حيث يقف جبريل « عليه السلام » والملائكة صفا بين يدي الرحمن خاشعين . لا يتكلمون - إلا من أذن له الرحمن - في الموقف المهيب الجليل : « رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً . يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً » . . ذلك الجزاء الذي فصله في المقطع السابق : جزاء الطغاة وجزاء التقاة . هذا الجزاء « مِنْ رَبِّكَ » . . « رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ » . . فهي المناسبة المهيأة لهذه اللمسة ولهذه الحقيقة الكبيرة . حقيقة الربوبية الواحدة التي تشمل الإنسان . كما تشمل السماوات والأرض ، وتشمل الدنيا والآخرة ، وتجازي على الطغيان والتقوى ، وتنتهي إليها الآخرة والأولى . . ثم هو « الرَّحْمنِ » . . ومن رحمته ذلك الجزاء لهؤلاء وهؤلاء . حتى عذاب الطغاة ينبثق من رحمة الرحمن . ومن الرحمة أن يجد الشر جزاءه وألا يتساوى مع الخير في مصيره ! ومع الرحمة والجلال : « لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً » . . في ذلك اليوم المهيب الرهيب : يوم يقف جبريل -