سيد قطب

3793

في ظلال القرآن

ويعود بهم من هذه الجولة في أهوال يوم الفصل ، إلى جولة في مصارع الغابرين : الأولين والآخرين . . « أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ؟ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ ؟ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . هكذا في ضربة واحدة تتكشف مصارع الأولين وهم حشود . وفي ضربة واحدة تتكشف مصارع الآخرين وهم حشود . وعلى مد البصر تتبدى المصارع والأشلاء . وأمامها ينطلق الوعيد ناطقا بسنة اللّه في الوجود : « كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ » ! فهي السنة الماضية التي لا تحيد . . وبينما المجرمون يتوقعون مصرعا كمصارع الأولين والآخرين ، يجيء الدعاء بالهلاك ، ويجيء الوعيد بالثبور : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » . . ومن الجولة في المصارع والأشلاء ، إلى جولة في الإنشاء والإحياء ، مع التقدير والتدبير ، للصغير وللكبير : « أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ؟ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ ؟ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ؟ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » . . وهي رحلة مع النشأة الجنينية طويلة عجيبة ، يجملها هنا في لمسات معدودة . ماء مهين . يودع في قرار الرحم المكين . إلى قدر معلوم وأجل مرسوم . وأمام التقدير الواضح في تلك النشأة ومراحلها الدقيقة يجيء التعقيب الموحي بالحكمة العليا التي تتولى كل شيء بقدره في إحكام مبارك جميل : « فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ » وأمام التقدير الذي لا يفلت منه شيء يجيء الوعيد المعهود : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » . . ثم جولة في هذه الأرض ، وتقدير اللّه فيها لحياة البشر ، وإيداعها الخصائص المسيرة لهذه الحياة : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ؟ أَحْياءً وَأَمْواتاً ؟ وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » . . ألم نجعل الأرض كفاتا تحتضن بنيها أحياء وأمواتا . « وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ » ثابتات سامقات ، تتجمع على قممها السحب ، وتنحدر عنها مساقط الماء العذب . أفيكون هذا إلا عن قدرة وتقدير ، وحكمة وتدبير ؟ أفبعد هذا يكذب المكذبون ؟ : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . وعندئذ - بعد عرض تلك المشاهد ، وامتلاء الحس بالتأثرات التي تسكبها في المشاعر - ينتقل السياق فجأة إلى موقف الحساب والجزاء . فنسمع الأمر الرهيب للمجرمين المكذبين ، ليأخذوا طريقهم إلى العذاب الذي كانوا به يكذبون ، في تأنيب مرير وإيلام عسير : « انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ . انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ . لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ . إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ! » . . اذهبوا طلقاء بعد الارتهان والاحتباس في يوم الفصل الطويل . ولكن إلى أين ؟ إنه انطلاق خير منه الارتهان . . « انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ » . . فها هو ذا أمامكم حاضر مشهود . « انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ » . . إنه ظل لدخان جهنم تمتد ألسنته في ثلاث شعب . ولكنه ظل خير منه الوهج : « لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ » . . إنه ظل خانق حار لافح . وتسميته بالظل ليست إلا امتدادا للتهكم ، وتمنية بالظل تتكشف عن حر جهنم ! انطلقوا . وإنكم لتعرفون إلى أين ! وتعرفونها هذه التي تنطلقون إليها . فلا حاجة إلى ذكر اسمها . .