سيد قطب

3774

في ظلال القرآن

ووراء الهدف حكمة ؛ وأن يكون قدوم الإنسان إلى هذه الحياة وفق قدر يجري إلى غاية مقدرة ، وأن ينتهي إلى حساب وجزاء ، وأن تكون رحلته على هذه الأرض ابتلاء ينتهي إلى الحساب والجزاء . . أما هذا التصور الدقيق المتناسق ، والشعور بما وراءه من ألوهية قادرة مدبرة حكيمة ، تفعل كل شيء بقدر ، وتنهي كل شيء إلى نهاية . . أما هذا فكان أبعد شيء عن تصور الناس ومداركهم ، في ذلك الزمان . والذي يميز الإنسان عن الحيوان ، هو شعوره باتصال الزمان والأحداث والغايات . وبوجود الهدف والغاية من وجوده الإنساني ، ومن الوجود كله من حوله . وارتقاؤه في سلم الإنسانية يتبع نمو شعوره هذا وسعته ، ودقة تصوره لوجود الناموس ، وارتباط الأحداث والأشياء بهذا الناموس . فلا يعيش عمره لحظة لحظة ، ولا حادثة حادثة ، بل يرتبط في تصوره الزمان والمكان والماضي والحاضر والمستقبل . ثم يرتبط هذا كله بالوجود الكبير ونواميسه . ثم يرتبط هذا كله بإرادة عليا خالقة مدبرة لا تخلق الناس عبثا ولا تتركهم سدى . وهذا هو التصور الكبير الذي نقل القرآن الناس اليه منذ ذلك العهد البعيد ، نقلة هائلة بالقياس إلى التصورات السائدة إذ ذاك وما تزال هائلة بالقياس إلى سائر التصورات الكونية التي عرفتها الفلسفة قديما وحديثا « 1 » وهذه اللمسة : « أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً » . . هي إحدى لمسات القرآن التوجيهية للقلب البشري ، كي يتلفت ويستحضر الروابط والصلات ، والأهداف والغايات ، والعلل والأسباب ، التي تربط وجوده بالوجود كله ، وبالإرادة المدبرة للوجود كله . وفي غير تعقيد ولا غموض يأتي بالدلائل الواقعة البسيطة التي تشهد بأن الإنسان لن يترك سدى . . إنها دلائل نشأته الأولى : « أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ؟ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ؟ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ؟ » . فما هذا الإنسان ؟ مم خلق ؟ وكيف كان ؟ وكيف صار ؟ وكيف قطع رحلته الكبيرة حتى جاء إلى هذا الكوكب ؟ ألم يك نطفة صغيرة من الماء ، من مني يمنى ويراق ؟ ألم تتحول هذه النطفة من خلية واحدة صغيرة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم ، تعلق بجدرانه لتعيش وتستمد الغذاء ؟ فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة ؟ ومن ذا الذي أودعها هذه القدرة ؟ ومن ذا الذي وجهها هذا الاتجاه ؟ ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك جنينا معتدلا منسق الأعضاء ؟ مؤلفا جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحية ، وهو في الأصل خلية واحدة مع بويضة ؟ والرحلة المديدة التي قطعها من الخلية الواحدة إلى الجنين السوي - وهي أطول بمراحل من رحلته من مولده إلى مماته - والتغيرات التي تحدث في كيانه في الرحلة الجنينية أكثر وأوسع مدى من كل ما يصادفه من الأحداث في رحلته من مولده إلى مماته ! فمن ذا الذي قاد هذه الرحلة المديدة ، وهو خليقة صغيرة ضعيفة ، لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب ؟ ! ثم في النهاية . من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة . . الذكر والأنثى ؟ . . أي إرادة كانت لهذه الخلية في أن تكون ذكرا ؟ وأي إرادة لتلك في أن تكون أنثى ؟ أم من ذا الذي يزعم أنه تدخل فقاد خطواتهما في ظلمات الرحم إلى هذا الاختيار ؟ !

--> ( 1 ) كتاب : فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان ( بحث أرجو التوفيق لإخراجه ) .