سيد قطب
3297
في ظلال القرآن
المشقة عليهم ، ويهون الخطر الذي يتمثلونه غولا تفغر فاها لتلتهمهم ! ويكتب لهم إحدى الحسنين : النجاة والنصر ، أو الاستشهاد والجنة . . هذا هو الأولى . وهذا هو الزاد الذي يقدمه الإيمان فيقوي العزائم ويشد القوائم ، ويذهب بالفزع ، ويحل محله الثبات والاطمئنان . وبينما هو يتحدث عنهم يلتفت إليهم مباشرة ليخاطبهم مقرعا مهددا بسوء العاقبة لو قادهم حالهم هذا إلى النكسة والتولي إلى الكفر ؛ وخلع ذلك الستار الرقيق من الإسلام : « فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ ؟ » . . وهذا التعبير . . « فَهَلْ عَسَيْتُمْ » . . يفيد ما هو متوقع من حال المخاطبين . ويلوح لهم بالنذير والتحذير . . احذروا فإنكم منتهون إلى أن تعودوا إلى الجاهلية التي كنتم فيها . تفسدون في الأرض وتقطعون الأرحام ، كما كان شأنكم قبل الإسلام . . وبعد هذه اللفتة المفزعة المنذرة لهم يعود إلى الحديث عنهم لو انتهوا إلى هذا الذي حذرهم إياه : « أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ، فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ . أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ؟ » . أولئك الذين يظلون في مرضهم ونفاقهم حتى يتولوا عن هذا الأمر الذي دخلوا فيه بظاهرهم ولم يصدقوا اللّه فيه ، ولم يستيقنوه . « أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ » . . وطردهم وحجبهم عن الهدى ، « فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ » . . وهم لم يفقدوا السمع ، ولم يفقدوا البصر ؛ ولكنهم عطلوا السمع وعطلوا البصر ، أو عطلوا قوة الإدراك وراء السمع والبصر ؛ فلم يعد لهذه الحواس وظيفة لأنها لم تعد تؤدي هذه الوظيفة . ويتساءل في استنكار : « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ » . . وتدبر القرآن يزيل الغشاوة ، ويفتح النوافذ ، ويسكب النور ، ويحرك المشاعر ، ويستجيش القلوب ، ويخلص الضمير . وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير ، « أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ؟ » فهي تحول بينها وبين القرآن وبينها وبين النور ؟ فإن استغلاق قلوبهم كاستغلاق الأقفال التي لا تسمح بالهواء والنور ! ويمضي في تصوير حال المنافقين ، وسبب توليهم عن الإيمان بعد إذ شارفوه ، فيتبين أنه تآمرهم مع اليهود ، ووعدهم لهم بالطاعة فيما يدبرون : « إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ - مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى - الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ : سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ » . . والتعبير يرسم معنى رجوعهم عن الهدى بعد ما تبين لهم ، في صورة حركة حسية ، حركة الارتداد على الأدبار . ويكشف ما وراءها من وسوسة الشيطان وتزيينه وإغرائه . فإذا ظاهر هذه الحركة وباطنها مكشوفان مفهومان ! وهم المنافقون الذين يتخون ويتسترون ! ثم يذكر السبب الذي جعل للشيطان عليهم هذا السلطان ، وانتهى بهم إلى الارتداد على الأدبار بعد ما عرفوا الهدى وتبينوه : « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ » . . واليهود في المدينة هم أول من كرهوا ما نزل اللّه ؛ لأنهم كانوا يتوقعون أن تكون الرسالة الأخيرة فيهم ، وأن يكون خاتم الرسل منهم ؛ وكانوا يستفتحون على الذين كفروا ويوعدونهم ظهور النبي الذي يقودهم ويمكن لهم في الأرض ، ويسترجع ملكهم وسلطانهم . فلما اختار اللّه آخر رسله من نسل إبراهيم ، من غير يهود ،