سيد قطب
3762
في ظلال القرآن
يقوم تصوره وشعوره وقيمه وموازينه . وعلى ضوئها يمضي في طريق الحياة . فكيف لا يقطع فيها برأي ولا يأخذها مأخذ الجد ؟ ويخوض فيها مع الخائضين ، ويلعب فيها مع اللاعبين ؟ « وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ » وهذه أس البلايا . فالذي يكذب بيوم الدين تختل في يده جميع الموازين ، وتضطرب في تقديره جميع القيم ، ويضيق في حسه مجال الحياة ، حين يقتصر على هذا العمر القصير المحدود في هذه الأرض ؛ ويقيس عواقب الأمور بما يتم منها في هذا المجال الصغير القصير ، فلا يطمئن إلى هذه العواقب ، ولا يحسب حساب التقدير الأخير الخطير . . ومن ثم تفسد مقاييسه كلها ويفسد في يده كل أمر من أمور هذه الدنيا ، قبل أن يفسد عليه تقديره للآخرة ومصيره فيها . . وينتهي من ثم إلى شر مصير . والمجرمون يقولون : إننا ظللنا على هذه الأحوال ، لا نصلي ، ولا نطعم المسكين ، ونخوض مع الخائضين ، ونكذب بيوم الدين . . « حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ » . . الموت الذي يقطع كل شك وينهي كل ريب ، ويفصل في الأمر بلا مرد . . ولا يترك مجالا لندم ولا توبة ولا عمل صالح . . بعد اليقين . . ويعقب السياق على الموقف السيئ المهين ، بقطع كل أمل في تعديل هذا المصير : « فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ » . . فقد قضي الأمر ، وحق القول ، وتقرر المصير ، الذي يليق بالمجرمين المعترفين ! وليس هنالك من يشفع للمجرمين أصلا . وحتى على فرض ما لا وجود له فما تنفعهم شفاعة الشافعين ! وأمام هذا الموقف المهين الميئوس منه في الآخرة ، يردهم إلى موقفهم في الفرصة المتاحة لهم في الأرض قبل مواجهة ذلك الموقف ؛ وهم يصدون عنها ويعرضون ، بل يفرون من الهدى والخير ووسائل النجاة المعروضة عليهم فيها ، ويرسم لهم صورة مضحكة تثير السخرية والعجب من أمرهم الغريب : « فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ؟ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ؟ » . . ومشهد حمر الوحش وهي مستنفرة تفر في كل اتجاه ، حين تسمع زئير الأسد وتخشاه . . مشهد يعرفه العرب . وهو مشهد عنيف الحركة . مضحك أشد الضحك حين يشبه به الآدميون ! حين يخافون ! فكيف إذا كانوا إنما ينفرون هذا النفار الذي يتحولون به من آدميين إلى حمر ، لا لأنهم خائفون مهددون بل لأن مذكرا يذكرهم بربهم وبمصيرهم ، ويمهد لهم الفرصة ليتقوا ذلك الموقف الزري المهين ، وذلك المصير العصيب الأليم ؟ ! إنها الريشة المبدعة ترسم هذا المشهد وتسجله في صلب الكون ، تتملاه النفوس ، فتخجل وتستنكف أن تكون فيه ، ويروح النافرون المعرضون أنفسهم يتوارون من الخجل ، ويطامنون من الإعراض والنفار ، مخافة هذا التصوير الحي العنيف ! تلك هيئتهم الخارجية . « حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ » ثم لا يدعهم حتى يرسم نفوسهم من الداخل ، وما يعتلج فيها من المشاعر : « بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً » . . فهو الحسد للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - أن يختاره اللّه ويوحي إليه ؛ والرغبة الملحة أن ينال كل منهم هذه