سيد قطب
3758
في ظلال القرآن
أم أنواع من الملائكة وصنوف . إنما هو خبر من اللّه سندري شأنه فيما يجيء . . فأما المؤمنون فقد تلقوا كلمات اللّه بالتسليم اللائق بمن وثق بربه ، وتأدب معه أدب العبد مع الرب فلم يعد يماري في خبره وقوله . وأما المشركون فتلقفوا هذا العدد بقلوب خاوية من الإيمان ، عارية من التوقير للّه ، خالية من الجد في تلقي هذا الأمر العظيم . وراحوا يتهكمون عليه ويسخرون منه ، ويتخذونه موضعا للتندر والمزاح . . . قال قائل منهم : أليس يتكفل كل عشرة منكم بواحد من هؤلاء التسعة عشر ! ؟ وقال قائل : لا بل اكفوني أنتم أمر اثنين منهم وعليّ الباقي أنا أكفيكموهم ! وبمثل هذه الروح المطموسة المغلقة الفاضية تلقوا هذا القول العظيم الكريم . عندئذ نزلت الآيات التالية تكشف عن حكمة اللّه في الكشف عن هذا الجانب من الغيب ، وذكر هذا العدد ، وترد علم الغيب إلى اللّه ، وتقرر ما وراء ذكر سقر وحراسها من غاية ينتهي الموقف إليها : « وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً . وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ، لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً ، وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ؟ كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ، وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ، وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ » . . . تبدأ الآية بتقرير حقيقة أولئك التسعة عشر الذين تمارى فيهم المشركون : « وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً » . . فهم من ذلك الخلق المغيب الذي لا يعلم طبيعته وقوته إلا اللّه ؛ وقد قال لنا عنهم : إنهم « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » فقرر أنهم يطيعون ما يأمرهم به اللّه ، وأن بهم القدرة على فعل ما يأمرهم . فهم إذن مزودون بالقوة التي يقدرون بها على كل ما يكلفهم اللّه إياه . فإذا كان قد كلفهم القيام على سقر ، فهم مزودون من قبله سبحانه بالقوة المطلوبة لهذه المهمة ، كما يعلمها اللّه ، فلا مجال لقهرهم أو مغالبتهم من هؤلاء البشر المضعوفين ! وما كان قولهم عن مغالبتهم إلا وليد الجهل الغليظ بحقيقة خلق اللّه وتدبيره للأمور . « وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا » . . فهم الذين يثير ذكر العدد في قلوبهم رغبة الجدل ؛ ولا يعرفون مواضع التسليم ومواضع الجدل . فهذا الأمر الغيبي كله من شأن اللّه ، وليس لدى البشر عنه من علم كثير ولا قليل ، فإذا أخبر اللّه عنه خبرا فهو المصدر الوحيد لهذا الطرف من الحقيقة ، وشأن البشر هو تلقي هذا الخبر بالتسليم ، والاطمئنان إلى أن الخير في ذكر هذا الطرف وحده ، بالقدر الذي ذكره ، وأن لا مجال للجدل فيه ، فالإنسان إنما يجادل فيما لديه عنه علم سابق يناقض الخبر الجديد أو يغايره . أما لما ذا كانوا تسعة عشر ( أيا كان مدلول هذا العدد ) فهو أمر يعلمه اللّه الذي ينسق الوجود كله ، ويخلق كل شيء بقدر . وهذا العدد كغيره من الأعداد . والذي يبغي الجدل يمكنه أن يجادل وأن يعترض على أي عدد آخر وعلى أي أمر آخر بنفس الاعتراض . . لما ذا كانت السماوات سبعا ؟ لما ذا كان خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار ؟ لما ذا كان حمل الجنين تسعة أشهر ؟ لما ذا تعيش السلاحف آلاف السنين ؟ لما ذا ؟ لما ذا ؟ لما ذا ؟ والجواب : لأن صاحب الخلق والأمر يريد ويفعل ما يريد ! هذا هو فصل الخطاب في مثل هذه الأمور . . « لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً ، وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ » . .