سيد قطب
3749
في ظلال القرآن
أنك وهم تجافت جنوبكم عن المضاجع ؛ وتركت دفء الفراش في الليلة القارسة ، ولم تسمع نداء المضاجع المغري وسمعت نداء اللّه . . إن ربك يعطف عليك ويريد أن يخفف عنك وعن أصحابك . . « وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ » . . فيطيل من هذا ويقصر من ذاك . فيطول الليل ويقصر . وأنت ومن معك ماضون تقومون أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه . وهو يعلم ضعفكم عن الموالاة . وهو لا يريد أن يعنتكم ولا أن يشق عليكم . إنما يريد لكم الزاد وقد تزودتم فخففوا على أنفسكم ، وخذوا الأمر هينا : « فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ » . . في قيام الليل بلا مشقة ولا عنت . . وهناك - في علم اللّه - أمور تنتظركم تستنفد الجهد والطاقة ، ويشق معها القيام الطويل : « عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى » يصعب عليهم هذا القيام « وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ » . . في طلب الرزق والكد فيه ، وهو ضرورة من ضرورات الحياة . واللّه لا يريد أن تدعوا أمور حياتكم وتنقطعوا لعبادة الشعائر انقطاع الرهبان ! « وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . . فقد علم اللّه أن سيأذن لكم في الانتصار من ظلمكم بالقتال ، ولإقامة راية للإسلام في الأرض يخشاها البغاة ! فخففوا إذن على أنفسكم « فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ » بلا عسر ولا مشقة ولا إجهاد . . واستقيموا على فرائض الدين : « وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ » . . وتصدقوا بعد ذلك قرضا للّه يبقى لكم خيره . . « وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ، وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً » . . واتجهوا إلى اللّه مستغفرين عن تقصيركم . فالإنسان يقصر ويخطئ مهما جد وتحرى الصواب : « وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . إنها لمسة الرحمة والود والتيسير والطمأنينة تجيء بعد عام من الدعوة إلى القيام ! ولقد خفف اللّه عن المسلمين ، فجعل قيام الليل لهم تطوعا لا فريضة . أما رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقد مضى على نهجه مع ربه ، لا يقل قيامه عن ثلث الليل ، يناجي ربه ، في خلوة من الليل وهدأة ، ويستمد من هذه الحضرة زاد الحياة وزاد الجهاد . على أن قلبه ما كان ينام وإن نامت عيناه . فقد كان قلبه - صلى اللّه عليه وسلم - دائما مشغولا بذكر اللّه ، متبتلا لمولاه . وقد فرغ قلبه من كل شيء إلا من ربه . على ثقل ما يحمل على عاتقه ، وعلى مشقة ما يعاني من الأعباء الثقال . .