سيد قطب
3744
في ظلال القرآن
البشرية - البشرية الضالة ، ليردها إلى ربها ، ويصبر على أذاها ، ويجاهد في ضمائرها ؛ وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري ، ولذاذة تلهي ، وراحة ينعم بها الخليون . ونوم يلتذه الفارغون ! والآن نستعرض السورة في نصها القرآني الجميل . « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا . نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا . إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا . إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا » . . « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . . قُمِ . . » . . إنها دعوة السماء ، وصوت الكبير المتعال . . قم . . قم للأمر العظيم الذي ينتظرك ، والعبء الثقيل المهيأ لك . قم للجهد والنصب والكد والتعب . قم فقد مضى وقت النوم والراحة . . قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد . . وإنها لكلمة عظيمة رهيبة تنتزعه - صلى اللّه عليه وسلم - من دفء الفراش ، في البيت الهادئ والحضن الدافئ . لتدفع به في الخضم ، بين الزعازع والأنواء ، وبين الشد والجذب في ضمائر الناس وفي واقع الحياة سواء . إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحا ، ولكنه يعيش صغيرا ويموت صغيرا . فأما الكبير الذي يحمل هذا العبء الكبير . . فما له والنوم ؟ وما له والراحة ؟ وما له والفراش الدافئ ، والعيش الهادئ ؟ والمتاع المريح ؟ ! ولقد عرف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حقيقة الأمر وقدّره ، فقال لخديجة - رضي اللّه عنها - وهي تدعوه أن يطمئن وينام : « مضى عهد النوم يا خديجة » ! أجل مضى عهد النوم وما عاد منذ اليوم إلا السهر والتعب والجهاد الطويل الشاق ! « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا . نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا » . . إنه الإعداد للمهمة الكبرى بوسائل الإعداد الإلهية المضمونة . . قيام الليل . أكثره أكثر من نصف الليل ودون ثلثيه . وأقله ثلث الليل . . قيامه للصلاة وترتيل القرآن . وهو مد الصوت به وتجويده . بلا تغن ولا تطر ولا تخلع في التنغيم . وقد صح عن وتر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالليل أنه لم يتجاوز إحدى عشرة ركعة . ولكنه كان يقضي في هذه الركعات ثلثي الليل إلا قليلا ، يرتل فيه القرآن ترتيلا . روى الإمام أحمد في مسنده قال : حدثنا يحيى بن سعيد - هو ابن أبي عروبة - عن قتادة ، عن زرارة ابن أوفى ، عن سعيد بن هشام . . أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال : ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؟ قال : نعم . قال : ائت عائشة فسلها ، ثم ارجع إلي فأخبرني بردها عليك . . . ثم يقول سعيد بن هشام : قلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى . قالت : فإن خلق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كان القرآن . فهممت أن أقوم ، ثم بدا لي قيام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قلت : يا أم المؤمنين ، أنبئيني عن قيام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قالت : ألست تقرأ هذه السورة : « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ » ؟ قلت : بلى . قالت : فإن اللّه افترض قيام الليل في أول هذه السورة ؛ فقام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم - وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم . وأمسك اللّه ختامها في السماء اثني عشر شهرا . ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة . . فهممت أن أقوم ، ثم بدا لي وتر رسول اللّه - صلى اللّه