سيد قطب
3294
في ظلال القرآن
مناسبة تعرض . فإن كان المسلمون في شدة ظهروا بعدائهم وجهروا ببغضائهم ؛ وإذا كانوا في رخاء ظلت الدسائس سرية والمكايد في الظلام ! وكانوا إلى منتصف العهد المدني يؤلفون خطرا حقيقيا على الإسلام والمسلمين . وقد تواتر ذكر المنافقين ، ووصف دسائسهم ، والتنديد بمؤامراتهم وأخلاقهم في السور المدينة ؛ كما تكرر ذكر اتصالهم باليهود ، وتلقيهم عنهم ، واشتراكهم معهم في بعض المؤامرات المحبوكة . وهذا أحد المواضع التي وردت فيها الإشارة إلى المنافقين ، والإشارة كذلك إلى اليهود . « وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ، حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ : ما ذا قالَ آنِفاً ؟ أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ، وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ » . . ولفظة : « وَمِنْهُمْ » تحتمل أن تكون إشارة للذين كفروا الذين كان يدور الحديث عنهم في الجولة السابقة في السورة : باعتبار أن المنافقين في الحقيقة فرقة من الكفار مستورة الظاهر ، واللّه يتحدث عنها بحقيقتها في هذه الآية . كما تحتمل أن تكون إشارة للمسلمين باعتبار أن المنافقين مندمجون فيهم ، متظاهرون بالإسلام معهم . وقد كانوا يعاملون معاملة المسلمين بحسب ظاهرهم ، كما هو منهج الإسلام في معاملة الناس . ولكنهم في كلتا الحالتين هم المنافقون كما تدل عليه صفتهم في الآية وفعلهم ، وكما يدل السياق في هذه الجولة من السورة ، والحديث فيها عن المنافقين . وسؤالهم ذاك بعد استماعهم للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والاستماع معناه السماع باهتمام - يدل على أنهم كانوا يتظاهرون تظاهرا بأنهم يلقون سمعهم وبالهم للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقلوبهم لاهية غافلة . أو مطموسة مغلقة . كما أنه قد يدل من جانب آخر على الغمز الخفي اللئيم إذ يريدون أن يقولوا بسؤالهم هذا لأهل العلم : إن ما يقوله محمد لا يفهم ، أو لا يعني شيئا يفهم . فها هم أولاء مع استماعهم له ، لا يجدون له فحوى ولا يمسكون منه بشيء ! كذلك قد يعنون بهذا السؤال السخرية من احتفال أهل العلم بكل ما يقوله محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وحرصهم على استيعاب معانيه وحفظ ألفاظه - كما كان حال الصحابة رضوان اللّه عليهم مع كل كلمة يتلفظ بها الرسول الكريم - فهم يسألونهم أن يعيدوا ألفاظه التي سمعوها على سبيل السخرية الظاهرة أو الخفية . . وكلها احتمالات تدل على اللؤم والخبث والانطماس والهوى الدفين : « أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ » . . ذلك حال المنافقين . فأما حال المهتدين فهو على النقيض : « وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » . . وترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر . فالذين اهتدوا بدءوا هم بالاهتداء ، فكافأهم اللّه بزيادة الهدى ، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل : « وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ » . . والتقوى حالة في القلب تجعله أبدا واجفا من هيبة اللّه ، شاعرا برقابته ، خائفا من غضبه ، متطلعا إلى رضاه ، متحرجا من أن يراه اللّه على هيئة أو في حالة لا يرضاها . . هذه الحساسية المرهفة هي التقوى . . وهي مكافأة يؤتيها اللّه من يشاء من عباده ، حين يهتدون هم ويرغبون في الوصول إلى رضى اللّه . والهدى والتقوى والحساسية حالة تقابل حالة النفاق والانطماس والغفلة في الآية السابقة .