سيد قطب
3742
في ظلال القرآن
السلام إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهو في غار حراء . . وكان ما قصه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من أمره معه فيما رواه ابن إسحاق عن وهب بن كيسان ، عن عبيد ، قال : « فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال : اقرأ . قال : قلت : ما أقرأ ( وفي الروايات : ما أنا بقارئ ) قال : فغتني به ( أي ضغطني ) حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني فقال : اقرأ . قلت : ما أقرأ . قال : فغتني حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني فقال : اقرأ . قلت : ما أقرأ : قال : فغتني حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني فقال : اقرأ . قال : قلت : ما ذا أقرأ ؟ قال : ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي . فقال : « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ » . . قال : فقرأتها . ثم انتهى فانصرف عني . وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابا . قال : فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد أنت رسول اللّه وأنا جبريل . قال : فرفعت رأسي إلى السماء انظر . فإذا جبريل في صورة رجل ، صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد أنت رسول اللّه وأنا جبريل . قال : فوقفت انظر إليه . فما أتقدم وما أتأخر . وجعلت أحول وجهي عنه في آفاق السماء . قال : فلا انظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك . فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ، ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك . ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة ، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها ( أي ملتصقا بها مائلا إليها ) فقالت : يا أبا القاسم أين كنت ؟ فو اللّه لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ . ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت : « أبشر يا بن عم وأثبت . فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة » . ثم فتر الوحي مدة عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - إلى أن كان بالجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل ، فأدركته منه رجفة ، حتى جثى وهوى إلى الأرض ، وانطلق إلى أهله يرجف ، يقول : « زملوني . دثروني » . . ففعلوا . وظل يرتجف مما به من الروع . وإذا جبريل يناديه : « يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ » . . ( وقيل : يا أيها المدثر ) واللّه أعلم أيتهما كانت . وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة . أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها ، فقد علم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه لم يعد هناك نوم ! وأن هنالك تكليفا ثقيلا ، وجهادا طويلا ، وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام ! وقيل لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « قم » . . فقام . وظل قائما بعدها أكثر من عشرين عاما ! لم يسترح . ولم يسكن . ولم يعش لنفسه ولا لأهله . قام وظل قائما على دعوة اللّه . يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به . عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض . عبء البشرية كلها ، وعبء العقيدة كلها ، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى . حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها ، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها ، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها . . حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر . . بل معارك متلاحقة . . مع أعداء دعوة اللّه المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها ، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها ، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء ، وتظلل مساحات أخرى . . ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت