سيد قطب
3713
في ظلال القرآن
وفي أثناء ذلك كله أطمعهم في خير الدنيا والآخرة . أطمعهم في الغفران إذا استغفروا ربهم فهو - سبحانه - غفار للذنوب : « فَقُلْتُ : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً » . . وأطمعهم في الرزق الوفير الميسور من أسبابه التي يعرفونها ويرجونها وهي المطر الغزير ، الذي تنبت به الزروع ، وتسيل به الأنهار ، كما وعدهم برزقهم الآخر من الذرية التي يحبونها - وهي البنين - والأموال التي يطلبونها ويعزونها : « يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً » . . وقد ربط بين الاستغفار وهذه الأرزاق . وفي القرآن مواضع متكررة فيها هذا الارتباط بين صلاح القلوب واستقامتها على هدى اللّه ، وبين تيسير الأرزاق ، وعموم الرخاء . . . جاء في موضع : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ، وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » » . . وجاء في موضع : « وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . . . « 2 » » . . وجاء في موضع : « أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ . . . « 3 » » . وهذه القاعدة التي يقررها القرآن في مواضع متفرقة ، قاعدة صحيحة تقوم على أسبابها من وعد اللّه ، ومن سنة الحياة ؛ كما أن الواقع العملي يشهد بتحققها على مدار القرون . والحديث في هذه القاعدة عن الأمم لا عن الأفراد . وما من أمة قام فيها شرع اللّه ، واتجهت اتجاها حقيقيا للّه بالعمل الصالح والاستغفار المنبئ عن خشية اللّه . . ما من أمة اتقت اللّه وعبدته وأقامت شريعته ، فحققت العدل والأمن للناس جميعا ، إلا فاضت فيها الخيرات ، ومكن اللّه لها في الأرض واستخلفها فيها بالعمران وبالصلاح سواء . ولقد نشهد في بعض الفترات أمما لا تتقي اللّه ولا تقيم شريعته ؛ وهي - مع هذا - موسع عليها في الرزق ، ممكن لها في الأرض . . ولكن هذا إنما هو الابتلاء : « وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً » ثم هو بعد ذلك رخاء مئوف ، تأكله آفات الاختلال الاجتماعي والانحدار الأخلاقي ، أو الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان . . وأمامنا الآن دولتان كبيرتان موسع عليهما في الرزق ، ممكن لهما في الأرض . إحداهما رأسمالية والأخرى شيوعية . وفي الأولى يهبط المستوي الأخلاقي إلى الدرك الأسفل من الحيوانية ، ويهبط تصور الحياة إلى الدرك الأسفل كذلك فيقوم كله على الدولار ! ! وفي الثانية تهدر قيمة « الإنسان » إلى درجة دون الرقيق وتسود الجاسوسية ويعيش الناس في وجل دائم من المذابح المتوالية ؛ ويبيت كل إنسان وهو لا يضمن أنه سيصبح ورأسه بين كتفيه لا يطيح في تهمة تحاك في الظلام ! وليست هذه أو تلك حياة إنسانية توسم بالرخاء ! ونمضي مع نوح في جهاده النبيل الطويل . فنجده يأخذ بقومه إلى آيات اللّه في أنفسهم وفي الكون من حولهم ، وهو يعجب من استهتارهم وسوء أدبهم مع اللّه ، وينكر عليهم ذلك الاستهتار : « ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ؟ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ؟ » . . والأطوار التي يخاطب بها قوم نوح في ذلك الزمان لا بد أن تكون أمرا يدركونه ، أو أن يكون أحد مدلولاتها
--> ( 1 ) سورة الأعراف . آية : 96 . ( 2 ) سورة المائدة . آية : 65 - 66 ( 3 ) سورة هود . آية 2 - 3