سيد قطب

3670

في ظلال القرآن

وهي حقيقة تسكب الطمأنينة في قلب المؤمن ، في حالتي قوته وضعفه على السواء . ما دام يخلص قلبه للّه ، ويتوكل في جهاده على اللّه . فقوته ليست هي التي تنصره في معركة الحق والباطل والإيمان والكفر ، إنما هو اللّه الذي يكفل له النصر . وضعفه لا يهزمه لأن قوة اللّه من ورائه وهي التي تتولى المعركة وتكفل له النصر . ولكن اللّه يملي ويستدرج ويقدر الأمور في مواقيتها وفق مشيئته وحكمته ، ووفق عدله ورحمته . كما أنها حقيقة تفزع قلب العدو ، سواء كان المؤمن أمامه في حالة ضعف أم في حالة قوة . فليس المؤمن هو الذي ينازله ، إنما هو اللّه الذي يتولى المعركة بقوته وجبروته . اللّه الذي يقول لنبيه « فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ » وخل بيني وبين هذا البائس المتعوس ! واللّه يملي ويستدرج فهو في الفخ الرعيب المفزع المخيف ، ولو كان في أوج قوته وعدته . فهذه القوة هي ذاتها الفخ وهذه العدة هي ذاتها المصيدة . . « وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ » ! أما متى يكون . فذلك علم اللّه المكنون ! فمن يأمن غيب اللّه ومكره ؟ وهل يأمن مكر اللّه إلا القوم الفاسقون ؟ وأمام هذه الحقيقة يوجه اللّه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - إلى الصبر . الصبر على تكاليف الرسالة . والصبر على التواءات النفوس . والصبر على الأذى والتكذيب . الصبر حتى يحكم اللّه في الوقت المقدر كما يريد . ويذكره بتجربة أخ له من قبل ضاق صدره بهذه التكاليف ، فلو لا أن تداركته نعمة اللّه لنبذ وهو مذموم : « فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ، وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ . إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ . لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ . فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ » . . وصاحب الحوت هو يونس - عليه السّلام - كما جاء في سورة الصافات . وملخص تجربته التي يذكر اللّه بها محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - لتكون له زادا ورصيدا ، وهو خاتم النبيين ، الذي سبقته تجارب النبيين أجمعين في حقل الرسالة ، ليكون هو صاحب الحصاد الأخير ، وصاحب الرصيد الأخير ، وصاحب الزاد الأخير . فيعينه هذا على عبئه الثقيل الكبير . عبء هداية البشرية جميعها لا قبيلة ولا قرية ولا أمة . وعبء هداية الأجيال جميعها لا جيل واحد ولا قرن واحد كما كانت مهمة الرسل قبله . وعبء إمداد البشرية بعده بكل أجيالها وكل أقوامها بمنهج دائم ثابت صالح لتلبية ما يجد في حياتها من أحوال وأوضاع وتجارب . وكل يوم يأتي بجديد . . ملخص تلك التجربة أن يونس بن متى - سلام اللّه عليه - أرسله اللّه إلى أهل قرية . قيل اسمها نينوى بالموصل . فاستبطأ إيمانهم ، وشق عليه تلكؤهم ، فتركهم مغاضبا قائلا في نفسه : إن اللّه لن يضيق عليّ بالبقاء بين هؤلاء المتعنتين المعاندين ، وهو قادر على أن يرسلني إلى قوم آخرين ! وقد قاده الغضب والضيق إلى شاطئ البحر ، حيث ركب سفينته ، فلما كانوا في وسط اللج ثقلت السفينة وتعرضت للغرق . فأقرعوا بين الركاب للتخفف من واحد منهم لتخف السفينة . . فكانت القرعة على يونس . فألقوه في اليم . فابتلعه الحوت . عندئذ نادى يونس - وهو كظيم - في هذا الكرب الشديد في الظلمات في بطن الحوت ، وفي وسط اللجة ، نادى ربه : « لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ ! إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » فتداركته نعمة من ربه ، فنبذه الحوت على الشاطئ . . لحما بلا جلد . . ذاب جلده في بطن الحوت . وحفظ اللّه حياته بقدرته التي لا يقيدها قيد من مألوف البشر المحدود !