سيد قطب

3665

في ظلال القرآن

ها نحن أولاء أمام أصحاب الجنة - جنة الدنيا لا جنة الآخرة - وها هم أولاء يبيتون في شأنها أمرا . لقد كان للمساكين حظ من ثمرة هذه الجنة - كما تقول الروايات - على أيام صاحبها الطيب الصالح . ولكن الورثة يريدون أن يستأثروا بثمرها الآن ، وأن يحرموا المساكين حظهم . . فلننظر كيف تجري الأحداث إذن ! « إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ . إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ » . لقد قر رأيهم على أن يقطعوا ثمرها عند الصباح الباكر ، دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين . وأقسموا على هذا ، وعقدوا النية عليه ، وباتوا بهذا الشر فيما اعتزموه . . فلندعهم في غفلتهم أو في كيدهم الذي بيتوه ، ولننظر ما ذا يجري من ورائهم في بهمة الليل وهم لا يشعرون . فإن اللّه ساهر لا ينام كما ينامون ، وهو يدبر لهم غير ما يدبرون ، جزاء على ما بيتوا من بطر بالنعمة ومنع للخير ، وبخل بنصيب المساكين المعلوم . . إن هناك مفاجأة تتم في خفية . وحركة لطيفة كحركة الأشباح في الظلام . والناس نيام : « فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ » « 1 » . . فلندع الجنة وما ألم بها مؤقتا لننظر كيف يصنع المبيتون الماكرون . ها هم أولاء يصحون مبكرين كما دبروا ، وينادي بعضهم بعضا لينفذوا ما اعتزموا : « فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ : أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ » . . يذكر بعضهم بعضا ويوصي بعضهم بعضا ، ويحمس بعضهم بعضا ! ثم يمضي السياق في السخرية منهم ، فيصورهم منطلقين ، يتحدثون في خفوت ، زيادة في إحكام التدبير ، ليحتجنوا الثمر كله لهم ، ويحرموا منه المساكين ! « فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ : أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ » ! ! ! وكأنما نحن الذين نسمع القرآن أو نقرؤه نعلم ما لا يعلمه أصحاب الجنة من أمرها . . أجل فقد شهدنا تلك اليد الخفية اللطيفة تمتد إليها في الظلام ، فتذهب بثمرها كله . ورأيناها كأنما هي مقطوعة الثمار بعد ذلك الطائف الخفي الرهيب ! فلنمسك أنفاسنا إذن ، لنرى كيف يصنع الماكرون المبيتون . إن السياق ما يزال يسخر من الماكرين المبيتين : « وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ » ! أجل إنهم لقادرون على المنع والحرمان . . حرمان أنفسهم على أقل تقدير ! ! وها هم أولاء يفاجئون . فلننطلق مع السياق ساخرين . ونحن نشهدهم مفجوئين : « فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا : إِنَّا لَضَالُّونَ » . . ما هذه جنتنا الموقرة بالثمار . فقد ضللنا إليها الطريق ! . . ولكنهم يعودون فيتأكدون : « بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ » . . وهذا هو الخبر اليقين ! والآن وقد حاقت بهم عاقبة المكر والتبييت ، وعاقبة البطر والمنع ، يتقدم أوسطهم وأعقلهم وأصلحهم -

--> ( 1 ) كأنها مقطوعة الثمار . فقد ذهب الطائف الذي طاف عليها بكل ثمرها !