سيد قطب

3659

في ظلال القرآن

بينها وبين الإسلام لا تعبر ، ولا تقام عليها قنطرة ، ولا تقبل قسمة ولا صلة . وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق ! ولقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - ليدهن لهم ويلين ؛ ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم ، أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه ، وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب ! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول ! ولكن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كان حاسما في موقفه من دينه ، لا يدهن فيه ولا يلين . وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبا وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير . فأما الدين فهو الدين ! وهو فيه عند توجيه ربه : « فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ » ! ولم يساوم - صلى اللّه عليه وسلم - في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة . وهو محاصر بدعوته . وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في اللّه أشد الإيذاء وهم صابرون . ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين ، تأليفا لقلوبهم ، أو دفعا لأذاهم . ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد . . روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال : « فلما بادي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قومه بالإسلام . وصدع به كما أمره اللّه ، لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها . فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه ، وأجمعوا خلافه وعداوته - إلا من عصم اللّه تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون - وحدب على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عمه أبو طالب ومنعه ، وقام دونه ، ومضى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على أمر اللّه مظهرا لأمره ، لا يرده عنه شيء . « فلما رأت قريش أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب . . عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب بن أمية . وأبو البختري واسمه العاص بن هشام . والأسود بن المطلب بن أسد . وأبو جهل ( واسمه عمرو بن هشام وكان يكنى أبا الحكم ) والوليد بن المغيرة ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر . . أو من مشى منهم . . فقالوا : يا أبا طالب . إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفه أحلامنا ، وضلل آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه ، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ؛ فنكفيكه ! فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا ، وردهم ردا جميلا ، فانصرفوا عنه . « ومضى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على ما هو عليه : يظهر دين اللّه ، ويدعو إليه . ثم شري « 1 » الأمر بينه وبينهم حتى تباعدوا وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتذامروا « 2 » فيه . وحض بعضهم بعضا عليه . ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى . فقالوا له : يا أبا طالب ، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ؛ وإنا واللّه لا نصبر على هذا : من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا

--> ( 1 ) زاد واشتد . ( 2 ) تغيظوا وحض بعضهم بعضا عليه .