سيد قطب

3646

في ظلال القرآن

بها الإنسان في هذا الملك العريض . والتي حمل بها الأمانة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال . أمانة الإيمان الاختياري ، والاهتداء الذاتي ، والاستقامة الإرادية على منهج اللّه القويم « 1 » ولا يعلم أحد ماهية هذه القوة ، ولا مركزها ، داخل الجسم أو خارجه ! فهي سر اللّه في الإنسان لم يعلمه أحد سواه . وعلى هذه الهبات الضخمة التي أعطيها الإنسان لينهض بتلك الأمانة الكبرى ، فإنه لم يشكر : « قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » . . وهو أمر يثير الخجل والحياء عند التذكير به ، كما يذكرهم القرآن في هذا المجال ويذكر كل جاحد وكافر ، لا يشكر نعمة اللّه عليه ؛ وهو لا يوفيها حقها لو عاش للشكر دون سواه ! ثم يذكرهم أن اللّه لم ينشئ البشر ويمنحهم هذه الخصائص عبثا ولا جزافا لغير قصد ولا غاية . إنما هي فرصة الحياة للابتلاء . ثم الجزاء في يوم الجزاء : « قُلْ : هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » . . والذرء : الإكثار . ويحمل كذلك معنى الانتشار . والحشر : الجمع بعد النشر في الأرجاء . وهما حركتان متقابلتان من الناحية التصورية ، تقابلهما من الناحية المعنوية . ذلك مشهد للإكثار من الخلق ونشرهم أو نثرهم في الأرض . وهذا مشهد لجمعهم منها وحشرهم بعد النشر والنثر ! ويجمعهما السياق في آية واحدة ، ليتقابل المشهدان في الحس والتصور على طريقة القرآن . وليتذكر البشر وهم منتشرون في الأرض أن هناك غاية هم صائرون إليها ، هي الجمع والحشر . وأن هناك أمرا وراء هذا ، ووراء الابتلاء بالموت والحياة . ثم يحكي شكهم في هذا الحشر ، وارتيابهم في هذا الوعد : « وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » ؟ . . وهو سؤال الشاك المستريب . كما أنه سؤال المماحك المتعنت . فإن معرفة موعد هذا الوعد وميقاته لا تقدم ولا تؤخر ؛ ولا علاقة لها بحقيقته ، وهو أنه يوم الجزاء بعد الابتلاء . ويستوي بالقياس إليهم أن يجيء غدا أو أن يجيء بعد ملايين السنين . . فالمهم أنه آت ، وأنهم محشورون فيه ، وأنهم مجازون بما عملوا في الحياة . ومن ثم لم يطلع اللّه أحدا من خلقه على موعده ، لأنه لا مصلحة لهم في معرفته ، ولا علاقة لهذا بطبيعة هذا اليوم وحقيقته ، ولا أثر له في التكاليف التي يطالب الناس بها استعدادا لملاقاته ، بل المصلحة والحكمة في إخفاء ميقاته عن الخلق كافة ، واختصاص اللّه بعلم ذلك الموعد ، دون الخلق جميعا : « قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ » . وهنا يبرز بجلاء فارق ما بين الخالق والمخاليق . وتتجرد ذات اللّه ووحدانيته بلا شبيه ولا شريك . ويتمحض العلم له سبحانه . ويقف الخلق - بما فيهم الرسل والملائكة « 2 » - في مقامهم متأدبين عند مقام الألوهية العظيم : « قُلْ : إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ . وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ » . . وظيفتي الإنذار ، ومهمتي البيان . أما العلم فعند صاحب العلم الواحد بلا شريك . وبينما هم يسألون في شك ويجابون في جزم ، يخيل السياق القرآني كأن هذا اليوم الذي يسألون عنه قد جاء ،

--> ( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال . . . في ص 2884 - 2886 من الجزء 22 من الظلال . ( 2 ) في حديث حقيقة الإسلام والإيمان . . سأل جبريل النبي - صلى اللّه عليه وسلم - عن الساعة ، فقال : « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » . . أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .