سيد قطب

3644

في ظلال القرآن

وإنسانية هي من رزق اللّه أصلا ؟ . . « أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ؟ ! » . . « بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ » . والتعبير يرسم خدا مصعرا ، وهيئة متبجحة ، بعد تقريره لحقيقة الرزق ، وأنهم عيال على اللّه فيه ، وأقبح العتو والنفور ، والتبجح والتصعير ، ما يقع من العيال في مواجهة المطعم الكاسي ، الرازق العائل وهم خلو من كل شيء إلا ما يتفضل به عليهم . وهم بعد ذلك عاتون معرضون وقحاء ! وهو تصوير لحقيقة النفوس التي تعرض عن الدعوة إلى اللّه في طغيان عات ، وفي إعراض نافر ، وتنسى أنها من صنع اللّه ، وأنها تعيش على فضله ، وأنها لا تملك من أمر وجودها وحياتها ورزقها شيئا على الإطلاق ! ولقد كانوا - مع هذا - يتهمون النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه بالضلال ؛ ويزعمون لأنفسهم أنهم أهدى سبيلا ! كما يصنع أمثالهم مع الدعاة إلى اللّه في كل زمان . ومن ثم يصور لهم واقع حالهم وحال المؤمنين في مشهد حي يجسم حقيقة الحال : « أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى ؟ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟ » . . والذي يمشي مكبا على وجهه إما أن يكون هو الذي يمشي على وجهه فعلا لا على رجليه في استقامة كما خلقه اللّه ، وإما أن يكون هو الذي يعثر في طريقه فينكب على وجهه ، ثم ينهض ليعثر من جديد ! وهذه كتلك حال بائسة تعاني المشقة والعسر والتعثر ، ولا تنتهي إلى هدى ولا خير ولا وصول ! وأين هي من حال الذي يمشي مستقيما سويا في طريق لا عوج فيه ولا عثرات ، وهدفه أمامه واضح مرسوم ؟ ! إن الحال الأولى هي حال الشقي المنكود الضال عن طريق اللّه ، المحروم من هداه ، الذي يصطدم بنواميسه ومخلوقاته ، لأنه يعترضها في سيره ، ويتخذ له مسارا غير مسارها ، وطريقا غير طريقها ، فهو أبدا في تعثر ، وأبدا في عناء ، وأبدا في ضلال . والحال الثانية هي حال السعيد المجدود المهتدي إلى اللّه ، الممتع بهداه ، الذي يسير وفق نواميسه في الطريق اللاحب المعمور ، الذي يسلكه موكب الإيمان والحمد والتمجيد . وهو موكب هذا الوجود كله بما فيه من أحياء وأشياء . إن حياة الإيمان هي اليسر والاستقامة والقصد . وحياة الكفر هي العسر والتعثر والضلال . . فأيهما أهدى ؟ وهل الأمر في حاجة إلى جواب ؟ إنما هو سؤال التقرير والإيجاب ! ويتوارى السؤال والجواب ليتراءى للقلب هذا المشهد الحي الشاخص المتحرك . . مشهد جماعة يمشون على وجوههم ، أو يتعثرون وينكبون على وجوههم لا هدف لهم ولا طريق . ومشهد جماعة أخرى تسير مرتفعة الهامات ، مستقيمة الخطوات ، في طريق مستقيم ، لهدف مرسوم . إنه تجسيم الحقائق ، وإطلاق الحياة في الصور ، على طريقة القرآن « 1 » في التعبير بالتصوير . .

--> ( 1 ) يراجع فصل : « طريقة القرآن » . وفصل « التخييل الحسي والتجسيم » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » « دار الشروق » .