سيد قطب

3281

في ظلال القرآن

وأثرا في كيان هذا الوجود ، وفي قيامه بدوره ، وانتهائه إلى غايته . وفي الجانب الآخر : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » . . والإيمان الأول يشمل الإيمان بما نزل على محمد . ولكن السياق يبرزه ويظهره ليصفه بصفته : « وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » ويؤكد هذا المعنى ويقرره . وإلى جوار الإيمان المستكن في الضمير ، العمل الظاهر في الحياة . وهو ثمرة الإيمان الدالة على وجوده وحيويته وانبعاثه . وهؤلاء : « كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ » . . في مقابل إبطال أعمال الذين كفروا ولو كانت حسنات في شكلها وظاهرها . وبينما يبطل العمل ولو كان صالحا من الكافرين ، فإن السيئة تغفر للمؤمنين . وهو تقابل تام مطلق يبرز قيمة الإيمان وقدره عند اللّه ، وفي حقيقة الحياة . . « وَأَصْلَحَ بالَهُمْ » . . وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر . والتعبير يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام . ومتى صلح البال ، استقام الشعور والتفكير ، واطمأن القلب والضمير ، وارتاحت المشاعر والأعصاب ، ورضيت النفس واستمتعت بالأمن والسلام . . وما ذا بعد هذا من نعمة أو متاع ؟ ألا إنه الأفق المشرق الوضيء الرفاف . ولم كان هذا وكان ذاك ؟ إنها ليست المحاباة . وليست المصادفة . وليس الجزاف . إنما هو أمر له أصله الثابت ، المرتبط بالناموس الأصيل الذي قام عليه الوجود يوم خلق اللّه السماوات والأرض بالحق ، وجعل الحق هو الأساس : « ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ » . . والباطل ليست له جذور ضاربة في كيان هذا الوجود ؛ ومن ثم فهو ذاهب هالك ؛ وكل من يتبعه وكل ما يصدر عنه ذاهب هالك كذلك . ولما كان الذين كفروا اتبعوا الباطل فقد ضلت أعمالهم ، ولم يبق لهم منها شيء ذو غناء . والحق ثابت تقوم عليه السماوات والأرض ، وتضرب جذوره في أعماق هذا الكون . ومن ثم يبقى كل ما يتصل به ويقوم عليه . ولما كان الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم ، فلا جرم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم . فهو أمر واضح مقرر يقوم على أصوله الثابتة ، ويرجع إلى أسبابه الأصيلة . وما هو فلتة ولا مصادفة ولا جزاف « كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ » . وكذلك يضع لهم القواعد التي يقيسون إليها أنفسهم وأعمالهم . فيعلمون المثل الذي ينتمون إليه ويقاسون عليه . ولا يحتارون في الوزن والقياس ! ذلك الأصل الذي قررته الآية الأولى في السورة ، يرتب عليه توجيه المؤمنين لقتال الكافرين . فهم على الحق الثابت الذي ينبغي أن يتقرر في الأرض ، ويستعلي ويهيمن على أقدار الناس والحياة ليصل الناس بالحق وليقيم الحياة على أساسه . والذين كفروا على الباطل الذي ينبغي أن يبطل وتذهب آثاره من الحياة : « فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ . حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ . فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً . حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها » . . واللقاء المقصود في الآية هنا هو اللقاء للحرب والقتال لا مجرد اللقاء . فحتى نزول هذه السورة كان المشركون في الجزيرة منهم المحارب ومنهم المعاهد ؛ ولم تكن بعد قد نزلت سورة « بَراءَةٌ » التي تنهي عهود المشركين المحددة