سيد قطب

3590

في ظلال القرآن

فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل اللّه ! والمجاهد في سبيل اللّه يتعرض لخسارة الكثير ، وتضحية الكثير . كما يتعرض هو وأهله للعنت . وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده . فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال ! فيكونون عدوا له ، لأنهم صدوه عن الخير ، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا . كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه ، اتقاء لما يصيبهم من جرائه ، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه ، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد للّه . . وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات . . وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن . ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة ، التحذير من اللّه ، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا ، والحذر من تسلل هذه المشاعر ، وضغط هذه المؤثرات . ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد . وكلمة فتنة تحتمل معنيين : الأول أن اللّه يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم ، فانتبهوا لهذا ، وحاذروا وكونوا أبدا يقظين لتنجحوا في الابتلاء ، وتخلصوا وتتجردوا للّه . كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب ! والثاني أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية ، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن اللّه . وكلا المعنيين قريب من قريب . وقد روى الإمام أحمد - بإسناده - عن عبد اللّه بن بريدة : سمعت أبي بريدة يقول : « كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يخطب ، فجاء الحسن والحسين - رضي اللّه عنهما - عليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران فنزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من المنبر فحملهما ، فوضعهما بين يديه . ثم قال : « صدق اللّه ورسوله . إنما أموالكم وأولادكم فتنة . نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » . . ورواه أهل السنة من حديث ابن واقد . فهذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهذان ابنا بنته . . وإنه لأمر إذن خطير . وخطر . وإن التحذير والتنبيه فيه لضرورة يقدرها من خلق قلوب الناس ، وأودعها هذه المشاعر ، لتكفكف نفسها عن التمادي والإفراط ، وهي تعلم أن هذه الوشائج الحبيبة قد تفعل بها ما يفعل العدو ، وتؤدي بها إلى ما تؤدي إليه مكايد الأعداء ! ومن ثم يلوح لها بما عند اللّه بعد التحذير من فتنة الأموال والأولاد ، والعداوة المستسرة في بعض الأبناء والأزواج . فهذه فتنة « وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ » . . ويهتف للذين آمنوا بتقوى اللّه في حدود الطاقة والاستطاعة ، وبالسمع والطاعة : « فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ - وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا » . . وفي هذا القيد : « مَا اسْتَطَعْتُمْ » يتجلى لطف اللّه بعباده ، وعلمه بمدى طاقتهم في تقواه وطاعته . وقد قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه » « 1 » فالطاعة في الأمر ليس لها حدود ، ومن ثم يقبل فيها ما يستطاع . أما النهي فلا تجزئة فيه فيطلب بكامله دون نقصان . ويهيب بهم إلى الإنفاق :

--> ( 1 ) رواه الشيخان عن أبي هريرة .