سيد قطب

3587

في ظلال القرآن

الجهل . فاختاروا لأنفسهم الشرك والكفر . . « وَاسْتَغْنَى اللَّهُ . وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ » . . استغنى اللّه عنهم وعن إيمانهم وعن طاعتهم . . وما هو - سبحانه - بمحتاج إلى شيء منهم ولا من غيرهم ، ولا بمحتاج أصلا : « وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ » . فهذا نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم . وهذا سبب ما ذاقوا وما ينتظرهم . فكيف يكذب بعد هذا النبأ مكذبون جدد ؟ أليلقوا مصيرا كهذا المصير ؟ والمقطع الثالث بقية للمقطع الثاني يحكي تكذيب الذين كفروا بالبعث - وظاهر أن الذين كفروا هم المشركون الذين كان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يواجههم بالدعوة - وفيه توجيه للرسول أن يؤكد لهم أمر البعث توكيدا وثيقا . وتصوير لمشهد القيامة ومصير المكذبين والمصدقين فيه ؛ ودعوة لهم إلى الإيمان والطاعة ورد كل شيء للّه فيما يقع لهم في الحياة . « زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا . قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ، ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ . وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا . وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ، ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ، وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً . ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ . اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ » . . ومنذ البدء يسمي مقالة الذين كفروا عن عدم البعث زعما ، فيقضي بكذبه من أول لفظ في حكايته . ثم يوجه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إلى توكيد أمر البعث بأوثق توكيد ، وهو أن يحلف بربه . وليس بعد قسم الرسول بربه توكيد : « قل : بلى وربي لتبعثن » . . « ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ » . . فليس شيء منه بمتروك . واللّه أعلم منهم بعملهم حتى لينبئهم به يوم القيامة ! « وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ » . . فهو يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم السر والعلن وهو عليم بذات الصدور . وهو على كل شيء قدير . كما جاء في مطلع السورة تمهيدا لهذا التقرير . وفي ظل هذا التوكيد الوثيق يدعوهم إلى الإيمان باللّه ورسوله والنور الذي أنزله مع رسوله . وهو هذا القرآن . وهو هذا الدين الذي يبشر به القرآن . وهو نور في حقيقته بما أنه من عند اللّه . واللّه نور السماوات والأرض . وهو نور في آثاره إذ ينير القلب فيشرق بذاته ويبصر الحقيقة الكامنة فيه هو ذاته . ويعقب على دعوتهم إلى الإيمان ، بما يشعرهم أنهم مكشوفون لعين اللّه لا يخفى عليه منهم شيء : « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » . . وبعد هذه الدعوة يعود إلى استكمال مشهد البعث الذي أكده لهم أوثق توكيد : « يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ : ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ » . . فأما أنه يوم الجمع فلأن جميع الخلائق في جميع الأجيال تبعث فيه ، كما يحضره الملائكة وعددهم لا يعلمه إلا اللّه . ولكن قد يقربه إلى التصور ما جاء في حديث رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن أبي ذر رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون . أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك واضع جبهته للّه تعالى ساجدا . واللّه